آخر تحديث:13:55(بيروت)
الأحد 30/11/2014
share

حسين الموزاني.. عن العراق والعنف والمنفى وشعراء صدّام

حاوره: محمد حجيري | الأحد 30/11/2014
شارك المقال :
  • 0

حسين الموزاني.. عن العراق والعنف والمنفى وشعراء صدّام حسين الموزاني في مقهى الفيشاوي في مصر
 حسين الموزاني روائي ومترجم عراقي مقيم في ألمانيا منذ أكثر من ثلاثة عقود، أصدر قبل أسابيع كتابه "أيام الجمر والرماد"، وهو كتاب متنوع يسجل فيه يومياته وتأملاته ومحاولته الاقتراب من وطنه العراق. معه هذا الحوار.

- أحسب أن معظم كتابك كتبته بعد زيارات قمت بها إلى مسقط رأسك أو الشرق الأوسط، بعد عقود من المنفى والهجرة والترحال، والسؤال: لو أنّك لم تعد إلى العراق، فهل كنت ستتفادى الكتابة، هاتيك الأيام وصدماتها؟

* أعمالي كلّها تدور حول العراق في الواقع، ولم أتناول موضوعاً آخر سوى العراق. والآن فقط بتّ أشعر بأنني استنفدت هذا الموضوع، بعدما كتبت عنه ستّ روايات ومجموعتين قصصيتين وكتابين باللغتين العربية والألمانية. وكنت مشغولاً في قضايا العراق وأزماته وحروبه وحصاره ومحاربته واستباحته وتدمير ثقافته. وصرت أنظر إلى هذا البلد باعتباره ماضياً وذكريات وصوراً قديمة. وبهذا المعنى فإن الكتابة كانت محاولة لتحييد الذكرى وتسكين الألم قدر المستطاع، لأنّ فقدان الوطن كان أمراً مؤلماً وقاسياً على نحو لا يطاق. ثمّ إنّ العراق منجم لا ينضب للأحزان والمآسي والدمار والإبادة الجماعية وما زال إلى يومنا هذا. فالصدمة النفسية واقعة في كلا الحالتين سواء زرت العراق أو لم أزره. وأنا لا سبيل لي ولا وسيلة في معالجة نفسي المصدومة سوى الكتابة والتذكّر. فتخيّل مثل أنّك تنتمي إلى بلد نُفذت فيه 67 ألف عملية انتحارية خلال 11 عاماً، أي منذ سقوط نظام البعث إلى الآن. وغالباً ما ينتابني هاجس بأنّ عمليات القتل اليومي هذه تحدث في أعماق نفسي، وكأنني عراق مصغّر أو "مشخصن"، فأسير كما لو أنّ الدماء تقطر من جسدي أينما حللت. ومع ذلك فأنا منفيّ حقيقيّ،  على الرغم من الشروط المخففة التي نعيش في ظلّها. والمنفى نفسه تحوّل إلى خامة، أو آلة حادة شطرتني نصفين. فأنا لم أكن مرتاحاً ومطمئناً في وطني ولا في غربتي ومنفاي.

- يوحي عنوان الكتاب كأنه سيرة ضخمة، بينما نصه أقرب إلى شذرات مرحلية إذا جاز التعبير، عن حياتك وقضايا تخصك وتخص الثقافة بمجملها، ألم تفكر في كتابته كسيرة سردية؟

*صحيح أن الجزء الأكبر من الكتاب جاء على شكل يوميات أو تأملات، ولو أنني كتبت سيرتي الذاتية لاختلف الأسلوب والموضوع بالتأكيد ولاخترت لغة أخرى غير هذه التي استخدمتها هنا. فالموضوع نفسه وهو العودة واللاعودة أملى عليّ الأسلوب وزاوية النظر. فأصبحت أكثر حريّة مما سأكون عليه في حالة كتابة سيرتي الذاتية. ثمّ إنني كتبت عدداً من "السير الذاتية" في رواياتي التي تناولت فيها حيوات كاملة لأشخاص عراقيين، وأحياناً منذ ولادتهم حتى مماتهم. ولذلك بدا أسلوب الكتاب الحالي الصغير الحجم نسبياً وكأنه ومضات عاجلة ولقطات بصرية خاطفة لما كنت أراه وأراقبه. فكنت أسير في شوارع بغداد كما لو أنني كنت أحمل آلة تصوير ذهنية  أسجل فيها انفعالاتي الآنية ومعالم مدينتي بغداد، فجاء الكتاب متنوعاً في مواده ومقترناً بالأحداث أو الانطباعات الشخصية.

- هل ما تكتبه عن الماضي يأتي في سياق الحنين له أو الانتقام منه؟

* أتمنّى أن لا أكون شخصاً ماضوياً أو رومانسياً نرجسياً، إنما هناك إحساس عميق يخامرني دائماً وهو أنّ الإنسان نادراً ما يتعلّم من تجارب الآخرين ولا حتّى من تجاربه الذاتية. وكنت أحسب نفسي قد تعلمت شيئاً من ماضيّ. لكنّ هذا الماضي نفسه كان كالجرح المفتوح، فعندما أتت الفرصة أخيراً لزيارة بلدي بعد ستة وعشرين عاماً أمضيتها في المنفى رأيت الفرصة سانحةً لتصفية حسابي مع هذا الماضي أو تركته؛ ومثلما أشرت قبل قليل فإنني حاولت تحييده، لئلا يفتك بي. فالماضي هو أنا الذي أصبحت منفياً بعدما كنت ماضياً، أي أنني انتزعت عنوّة من ماضيي وجذوري وألقي بي في أتون الغربة. وبدت سنوات منفاي وكأنها لا علاقة لها بالزمن، أي أنها ليست ماضياً، بل كتلة زمنية ثقيلة أطبقت على روحي عشرات الأعوام. فكمّ ستة وثلاثين عاماً في حياة الإنسان؟ فهذه الأعوام كلّها تبددت وانتهت دون أنّ تمنحني الفرصة لرأب الصدع والعودة إلى حضن الوطن الذي وجدته في حقيقة الحال رافضاً ونابذاً لي. فهو قد تغيّر بلا شكّ، ولم يعد مثلما تركته في نهاية السبعينات، إنما أصبح عراقاً آخر، مختلفاً ومنهاراً ومدمراً، بشراً وطبيعةً ودولةً ومؤسسات. وما فعلته كان بمثابة مقاربة نقدية، أو رؤية سوداوية كانت تسعى للتحريض وفتح صفحات الماضي المطوية عمداً. وربّما تحاكي قصائد الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث التي خاطبت فيها والدها المتوفي ونعتته بأقذع الصفات لكي ينهض من قبره من هول الصدمة، لأنها كانت مرتبطة به بقوّة وتحبّه حبّاً شديداً، لكنه رحل عنها مبكراً فوظفت الميثولوجيا الإغريقية لكي تعيده شعرياً إلى الحياة مجدداً. فأردت أن أصرخ في وجه بلدي  لكي أيقظه من سباته الطويل. 

- برأيك أليست هناك مبالغة في "محاكمة" بعض الروائيين أو الشعراء أو الكتاب العراقيين الذي كانوا يدورون بشكل مباشر أو غير مباشر في فلك نظام صدام حسين، ذلك لأن معظم أهل الثقافة العربية وحتى بعض الكتّاب والشعراء العالميين، متورطون في علاقتهم بالأنظمة والسلطات وحتى الطغاة، وفي مرحلة كان كبار الشعراء والكتاب يتلقون دعوات صدامية ويحضرون مهرجانات الحكومة العراقية. ومثل آخر نتحدث عن منفى الجواهري وإسقاط جنسيته في العراق ونجد أنه كان يكتب قصائد المديح لحافظ الأسد، بمعنى آخر، هناك مشكلة فصامية في جوهر الثقافة العربية ولا يتعلق الأمر بمريدي نظام صدام؟

* لعلّ من المفيد هنا أن نخضع تقييم الكتّاب والشعراء لمبدأ إنساني واحد وهو الأخلاق. فعلى الرغم من وجود متغيّرات في الأخلاق ومفهومها وفقاً للمرحلة التاريخية إلا أنّ هناك قيماً أخلاقيةً ثابتةً تتجسّد في موقف الكاتب أو المثقّف عموماً من السلطة. فكلّ اقتراب من السلطة هو إفساد للثقافة لا محالة. ومعظم المثقفين الكبار في العالم كانوا بعيدين إلى حدّ ما من سطوة السلطة وتأثيرها، بل إنّ البعض منهم كان يحاربها ويواجهها. وإذا ما شذّ عن ذلك كتاب وشعراء كبار مثل النرويجي كنوت هامسون، أو الأميركي عزرا باوند، أو الألماني غوتفريد بن، أو العراقي محمّد مهدي الجواهري، فإنّ القاعدة تبقى صحيحة. فالمديح السياسي هو آفة الأدب، لأنّه يأتي متكلفاً متكلّفاً دائماً وآنياً وفيه استقواء وتوسّل أيضاً، حتى لو جاء على لسان المتنبي نفسه. فالجواهري أخطأ في جميع قصائد المديح وأصاب في جميع قصائد الهجاء. ونحن لم نضع معايير مزاجية لإطلاق التهم والأحكام على هؤلاء الكتّاب ومواقفهم من الحكّام والطغاة. إنما لا نسترشد بهم، بل وندينهم، فما قيمة الشاعر إذا امتدح جلاداً مثلاً؟ ونحن نحرص على أن نوقف الأدب لأظهار قيم الجمال والحبّ والسلام الاجتماعي والإبداع الفنّي. ولا نريد محاكمة أحد من أولئك الذين مدحوا الطغاة والقتلة، بل كنّا نطالبهم بالاعتذار عما اقترفوه من جرائم أخلاقية، لكنّهم لم يفعلوا للأسف الشديد. ولذلك فأنا شخصياً لا أكن احتراماً للجواهري مهما بلغت قامته الشعرية، وحتى عندما رأيته في براغ العام 1980 فإنني لم ألق عليه التحيّة. وبالتأكيد هناك من يقول من أنت لكي لا تلقي التحيّة على الجواهري العملاق، فأقول إنني ملتزم بمبادئي في عدم محاباة القتلة ومداحيهم والتزلّف لهم طمعاً بالمال. ولم أنس المثل الروسي الذي صدّر  به الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين إحدى قصصه والذي يقول "احفظ شرفك منذ الصبا".

- في جانب من كتابك تتحدث عن العراق وكأن هناك هوية جامعة لهذا البلد وتعطي مثلا الالتفاف حول شذى حسون والمنتخب الرياضي، في الواقع ألا تجد هذا البلد تمزق لدرجة أنه بات من الصعب جمعه في دولة وطنية أو أمة، وتخطى لبنان في هذا المجال؟

* نعم هناك هوية ثقافية جامعة، لا للعراق وحده، بل لجميع الدول العربية أو الناطقة بالعربية. فثقافتنا واحدة حتىّ في أشدّ التفاصيل صغراً. فلو أنّك ذهبت إلى قرية مغربية نائية وسألت أهلها عن أسماء الأدوات المنزلية التي يستخدمونها وكيفية استخدامها لوجدت أنها لا تختلف حتى في الأسماء عن الأدوات المنزلية التي يستخدمها سكّان القرى اليمنية أو العراقية أو اللبنانية. فهناك وحدة ثقافية وأنثروبولوجية مشتركة، بما في ذلك العلاقات الإنسانية. ومشكلتنا هي أن ليس هناك دراسات ميدانية تثبّت هذه الحقائق، فقد ولى زمن الجاحظ والتوحيدي والأصمعي وابن منظور، ولم يعد هناك من يهتم بأمر التدوين. وثمّة مبدأ عام ينطبق على العراق والعالم العربي برمته وهو أن الحربّ تفرّق دائماً، أمّا النجاح والتفوّق فيجمعان الناس كلّهم. وهذا ما نراه في النجاحات الفنيّة والرياضية، فخذ فيروز مثلاً بدلاً من شذى حسّون، فسترى أنّها وحدت اللبنانيين المحتربين فيما بينهم وجعلت ذوقهم الغنائي واحداً على الرغم من اختلاف مشاربهم ومساربهم الحزبية والطائفية والحربية. ويقال عادة إذا ما ابتليتم بالمعاصي فاستتروا، وعندما يبتلي الناس بالحروب الطائفية فإنهم يجدون ملاذاً في كلّ ما هو جميل ونبيل. ونحن نشدد عادة على عناصر الوحدة والوطنية القائمة على أبعاد إنسانية وجمالية وليس على أسس عرقية وطائفية. والعراق بلد مزقته الحروب والحصارات والعمليات الإرهابية الموجهة من الخارج. وهذا يعني أنّ تدمير العراق جاء من الخارج بالدرجة الأولى، أي من تدبير الولايات المتحدة الأميركية وإيران والسعودية وإسرائيل ودوائرها. وعلاج هذا التمزّق والتشرذم هو شأن داخلي. فلماذا لا يتفقّ "شيعة" العراق مع "سنته"، وعربه مع أكراده؟ وهل أن العراق يختلف من حيث تعدد القوميات والأعراق عن تركيا أو إيران أو الهند مثلاً؟ فكيف يأخذ عنّا التركي دينه ويأخذ عنّا الفارسي دينه، أو شيعته، ثم يرجعان لنا بضاعتهما على شكّل احتلالات ومجازر وأنهر من الدماء؟ وأعتقد أنّ هناك خللاً ما كبيراً في عقلية العربي، والعراقي بصورة خاصةً، وربّما يحتاج العراقي إلى إعادة تربية وتأهيل من جديد. أمّا المقارنة بلبنان فهي لا تصلح، حتى وإن تجاوز العراقيون بوحشيتهم اللبنانيين إبّان حربهم الأهلية. والسبب في ذلك يعود إلى أن لبنان أخفق، ومنذ تأسيسه، أن يكون دولةً طبيعيةً موحدة، فبقى ممزقاً من الداخل ومرقعاً إلى يومنا هذا، وتنهش جسده العصابات المسلّحة والميلشيات والأسر الإقطاعية المتنفّذة.

- تقول إن انتماءك إلى العراق ثقافي بالدرجة الأولى، هل للعراقي خصوصية ثقافية، وماذا عن ثقافة المنفى الألماني؟

* هذا يعني ببساطة بأنني لست شيعياً أو سنيّاً أو مسيحياً أو صابئياً أو مسلماً أو علمانياً، إنما عراقي قبل كلّ شيء. والعراق غنّي جدّاً في تنوعه الثقافي والتاريخي. فنحن نكاد نغرق في هويتنا الوطنية من فرط امتلائها، لأنّ هذا البلد هو مهد الحضارات والديانات والأساطير والثقافات والفنون. لكننا، وبسبب هذه الغنى الثقافي، لا نكاد نرى السبيل الصحيح للوحدة الوطنية، فمن كثرة الأشجار لم نعد نرى الغابة، مثلما يقول المثل الألماني.  بالطبع أن العراق ليس أرضاً وجغرافية فحسب، إنما مشاعر داخلية وذكريات ومعايشات نحملها معنا إلى المنفى و إلى كلّ مكان آخر. فنحن لم تتح لنا الفرصة بعد لكي نتلمس آثار ماضينا لتصبح جزءاً من ثقافتنا المهددة. وحجم الكوارث والتدخلات الخارجية والحروب في العراق يبرهن على عمق الهوية الثقافية لهذا البلد، وإلا لما سعت القوى الشريرة لتدميره منذ اجتياح هولاكو إلى تيمورلنك إلى العثمانيين والفرس والإنجليز وانتهاءً بالأمريكان.  ومن ناحية ثانية فإن  تجربة المنفى الألماني تخبرنا بأن الجسد هو الذي يرحل وينفى، أمّا الروح فتبقى متشبثة بالوطن إلى الأبد. وكان هاجس الوطن يسيطر على الكاتب الألماني الشهير توماس مان في منفاه، فكان يقول إنّ ألمانيا تحضر تكون حاضرةً دائماً حيث أقف أنا. 

- لماذا لم تقدم صورة جلية عن أيام منفاك في ألمانيا في الكتاب، كيف كانت نظرة الألمان إليك كعربي أو عراقي، كيف تخطيت "الجمر والرماد" في المنفى؟

* وضعت كتاباً باللغة الألمانية عن تجربتي في المنفى والكتابة بلغة أجنبية تختلف تماماً عن اللغة الأمّ. ولم يكن هدفي في كتاب "أعوام الجمر والرماد" وضع سيرة ذاتية، بل أردت التعرض إلى قضية العودة إلى الوطن، فجاء الكتاب على شكل محاولة للاقتراب من الوطن، أي أنّه كان من حيث المادة على العكس تماماً من المنفى. وعندما أتيت إلى ألمانيا، قادماً من بيروت الحرب الأهلية، كان ألمانيا مجزأةً إلى شطرين متحاربين ومتعاديين ومتناقضين أيديولوجياً وثقافياً واجتماعياً. لكنّ الألمان نجحوا بعد ذلك في تحقيق الوحدة بشكل سلميّ وأعادوا بناء دولة كانت منهارة بالكامل وهي ألمانيا الشرقية "الديمقراطية" التي لم تحصد البشرية من تجربتها سوى الخيبة والإحباط. وأصبحت حتى مفردة الشيوعية أو الاشتراكية مدعاة للسخرية، إنّ لم نقل القرف. وأنا كنت شاهداً على التحولات، ودوّنت أحداث تلك الفترة في كتاباتي.  وهذا ما جعلني ازداد يأساً ومرارةً، لأنّ الألمان حققوا جزءاً كبيراً من هدفهم التاريخي وهو توحيد بلدهم ومن ثمّة أوروبا وجعلها تحت قيادتهم، اقتصادياً على الأقل، بينما فشل العرب تماماً في تحقيق أيّ شكل من أشكال الوحدة أو الاتحاد أو حتّى التعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي، بل دخلوا في حروب مجانية ضد بعضهم البعض وبددوا ثرواتهم الطبيعية وحطموا مستقبل أبنائهم وهزموا شرّ هزيمة أمام "عدوهم" التاريخي، ونعني به إسرائيل. والألمان قدموا لنا دعماً كبيراً فوفروا لنا الأمن والحماية من بطش نظام صدّام وأتاحوا لنا الفرصة في الدراسة والتعلّم حتى أصبحت كاتباً ألمانياً وصرت أنشر في كبريات صحفهم. ومع ذلك فهم لا يريدون أن تدخل معهم في حوار متكافئ، أو نقاش ثقافيّ أو سياسيّ، خاصة في ما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي. ولا يريدون أن تكتب لهم تاريخهم، مثلما يكتبون لك تاريخك، ولا يريدون أن تحوّلهم إلى موضوع أو مشروع، بل إنّهم يرون فيك الضحية التي أنقذوها ذات يوم من سيف الجلاد العربي؛  ثمّ إن الألماني يدرك بأنّك أعزل ومنفي وأجنبي، ومحارب من قبل دولك وأبناء جلدتك ربّما. ومثلما ترى فإن حوارنا أو "حربنا" مع الآخر في المنفى أشدّ ضراوةً من حربنا داخل أوطاننا. أوطاننا!

- بعد خروجك عن مسار الأيديولوجيات والجماعات، فهل ما زلت تستعمل الأدوات الماركسية في كتابتك ام تجاوزتها؟

* تعلمت من ماركس النزوع إلى التمرد والثورة والتحليل، فهو حسب تعبير رفيقه فريدريش إنجلز رجل ثوريّ بالدرجة الأولى، وليس منظرّاً. ومازلت أدوات التحليل الماركسي، وخاصة فيما يتعلق بطبيعة رأس المال والاقتصاد السياسي – نحن نعلم بأنّ المصرف الاحتياطي الأميركي هو الذي كان يموّل حروب الولايات المتحدة، وليس نفط العرب وحده – فكان ماركس يعلم تماماً ما الذي يعنيه رأس المال وكيف أنّ أصحابه لا يتورعون عن إبادة شعوب بأسرها من أجل مضاعفة الأرباح. وكانت الشركات العملاقة  تمول حروب الدول الغربية، ومنها شركة الهند الشرقية التي ساهمت في احتلال العراق. وانتقد ماركس أيضاً قادة "كومونة باريس" في كتابه عن "الحرب الأهلية في فرنسا" لأنّهم لم يؤمموا البنوك. وانتقد كذلك الحزب الاشتراكي الألماني الذي تخلّى عن  مبدأ الثورة وأصبح حزباً براغماتياً انتفاعياً مثلما نراه اليوم في ألمانيا وأوروبا كلّها. فكان ماركس ثاقب البصيرة ودقيق الملاحظة. وعندما اجتاحت الأزمة الاقتصادية العالم الغربي سارع الناس إلى قراءة ماركس مجدداً والاستعانة بتحليلاته. غير أن النتائج التي توصل لها ماركس لم تكن صحيحة وليست ملزمة لأيّ أحد، فلم تحدث مثلاً ثورة عمالية شاملة في أوروبا الغربية مثلما تكهّن، ولم تتحقق العدالة الاجتماعية ولم تتحد الطبقة العاملة العالمية، ولم تكن الطبقة العاملة مهيئة أصلاً لإقامة نظام اجتماعي عادل ومتكامل ومتكافل مثلما كان يحلم كارل ماركس. فضلاً عن أنّه غيّب الوطن والثقافة المحليّة والخصوصية التاريخية لبعض الشعوب والبلدان. والمهم هو أننا لسنا في معرض تقييم ماركس أو انتقاده، إنما نؤكد على أنّنا ما زلنا نعتمد عليه في التحليل الاقتصادي والسياسي مثلما نعتمد على نيتشه في التمرّد على النظم والقوانين وعلى فرويد في تحليله النفسي وتأكيده على أهمية الجنس وعلى هايدغر في تحليله للبعد الوجودي للإنسان المعاصر وقضية الحياة والموت وغيرهم من الفلاسفة والمفكّرين، والألمان خاصةً.

 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها