آخر تحديث:12:15(بيروت)
الثلاثاء 13/02/2018
share

"تحرير الشام": منع الاختلاط أهمّ من قتال النظام؟

محمد عبداللطيف | الثلاثاء 13/02/2018
شارك المقال :
  • 0

"تحرير الشام": منع الاختلاط أهمّ من قتال النظام؟ كرة القدم "مضيعة لأوقات المسلمين" (المدن)
بينما تغرق محافظة إدلب بالنازحين من مناطق الإشتباكات شرقي سكة الحجاز، وسط انسحاب مريب لـ"هيئة تحرير الشام" من أكثر من 80 قرية وموقع من دون قتال أمام قوات النظام، تنشغل "الحسبة" التابعة لـ"الهيئة" بملاحقة الأهالي والتضييق عليهم، بسبب حلاقة الشعر وبيع الدخان، أو الاختلاط "غير الشرعي" بين الرجال والنساء. وكأن القصف المتواصل، وارتفاع الأسعار، ونقص الموارد، كمصائب، لا تكفي أهل إدلب، بل تلاحقهم شرطة "الحسبة" على طريقة حلاقة الشعر، وهي العاجزة عن ضبط الأمن ووقف الإغتيالات والتصفيات.

وتشن دوريات أمنية تدعى "سواعد الخير"، تابعة لـ"هيئة تحرير الشام"، حملات دهم وتفتيش واسعة في مدينة إدلب، وتعتقل البائعين المتجولين، والمدنيين العاملين في القطاع العام والخاص بذريعة ارتكابهم مخالفات شرعية. ورغم تصاعد المعاناة والخسائر نتيجة حملة النظام العسكرية في أرياف إدلب وحلب وحماة، وتصاعد موجة التململ الأهلية من "هيئة تحرير الشام"، يواصل عناصر "سواعد الخير" الملثمون حملاتهم، ويضيقون على المدنيين والنازحين  في مدينة إدلب.

و"سواعد الخير"، المعروفة محلياً بـ"الحسبة"، كانت تُعرف سابقاً بـ"هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وينتمي عناصرها إلى جنسيات متعددة، وتتبع إلى "وزارة الأوقاف" العاملة في "حكومة الإنقاذ" المشكلة من قبل "هيئة تحرير الشام"، وتنشط إعمالها بشكل مشابه للتنظيمات الدعوية لدى تنظيم "الدولة الإسلامية".

وبدعم من "هيئة تحرير الشام" تتمركز "سواعد الخير" داخل أحد أسواق النساء في مدينة إدلب. وبرفقة عناصر أمن يرتدون زياً مماثلاً للشرطة التركية، تنتشر "سواعد الخير" على شكل دوريات راجلة مسلحة في الأسواق والشوارع العامة، وحول معظم أماكن تجمع المدنيين في الحدائق والمقاهي وصالات الإنترنت العامة. وتراقب "السواعد" الدوائر الحكومية والمشافي والمدارس والجامعات والمعاهد الخاصة. وتفتش حافلات النقل العامة بذريعة وجود اختلاط غير شرعي بين الذكور والنساء داخلها. وتلاحق النساء على مختلف أعمارهن وتصفهن بالمتبرجات وتكرههن على ارتداء عباءة ومنديل. وتسيّر سيارات "فان" مكتوب عليها: "كي لا تغرق السفينة"، تدور بين الشوارع العامة وتذيع خطباً دينية بصوت مرتفع، وتنادي إلى الصلاة عقب كلّ آذان يرفع، وتضع في الأحياء المدنية المزدحمة مكبرات صوت يديرها شيخ غير معروف يلقي خطبته الدينية، ومن حوله عدد من العناصر الملثمين.

واعتقلت "سواعد الخير" مؤخراً، شاباً بسبب طريقه حلاقته لشعره، وأجبرته على الاعتراف على محال الحلاقة التي يرتادها، واعتقلت صاحب أحد المحال بتهمة قص شعر الشباب بطريقة غير إسلامية. وقال مالك أحد المحال لـ"المدن": فوجئت بدخول 6 عناصر ملثمين مسلحين أثناء عملي، يقتادون معهم أحد زبائني، وقال أحدهم: هل أنت من حلقت القزع للشاب (تخفيف الشعر من الجوانب)؟ أجبته نعم، فقال: ألا تعلم أن القزع محرم.. عليك أن تذهب معنا نحو السيارة لترى القاضي، وحاولوا اعتقالي رغم وجود زبون على كرسي الحلاقة لدي، وعندما طال الحديث بيني وبينهم سمعت صوت تلقيم سلاح حول المحل فخرجت معهم. وقال القاضي: كيف تحلق القزع فأجبته بأني أقص شعر الزبون بناء على طلبه لا كما أريد، ثم قال لي إذا أنت مثل بائع الخمر تبيعه للناس بناءً على طلبهم. ثم خيرني بين السجن مدة ستة أيام أو دفع غرامة مالية قدرها 2000 ليرة سورية، فدفعت الغرامة التي بلغت أربعة أضعاف ما أخذته من الزبون. ثم وقعوني على تعهد خطي يتضمن عدم حلاقة القزع وعدم حلق اللحية بالشفرة أو استخدام ملقط الشعر. ووقع الشاب تعهداً بعدم حلاقة القزع مرة أخرى، ثم أطلقوا سراحنا.

وطرحت "الحسبة" أرضاً سائق حافة نقل أثناء عمله، وانهالت عليه بالضرب أمام العامة في ساحة دوار المحريب، واعتقلته بحجة وجود نساء "متبرجات" لا يرتدين الزي الشرعي ضمن حافلته.

ورغم تشتت العملية التعليمية في مدينة إدلب، لتعدد تبعية دوائرها بين النظام والمنظمات الخاصة و"حكومة الإنقاذ" و"حكومة الائتلاف"، تنشر "سواعد الخير" عناصرها في معظم المجمعات التربوية لمراقبة الطلاب. واقتحمت عشرات المعاهد التعليمية في مدينة إدلب، وأجبرت القائمين عليها على فصل الإناث عن الذكور، أو تغيير أوقات التعليم للجنسين. وبينما حاول عناصر "الحسبة" اعتقال أحد الطلاب، من داخل الحرم الجامعي، بسبب حلاقة شعره، حاول أستاذه منعهم، فاعتقلوه أيضاً.

ونتيجة حملة النظام في القصف العشوائي التي عطلت عشرات المراكز الطبية، تشهد مشافي مدينة إدلب اكتظاظاً في أعداد المرضى والمصابين، من دون فرز بين الذكور والإناث. "الحسبة" حاولت نشر عناصرها داخل مشفى الزراعة، لمنع الاختلاط فيه. وبعد منع حرس المشفى عناصر "الحسبة" من الدخول بسلاحهم، قامت "الحسبة" باعتقال 3 حراس، بتهمة "تعطيل أعمالهم الدعوية".

ويقصد الأهالي الكورنيش في محيط إدلب، ويتخذونه فسحة لهم، إلا أن "الحسبة" تسيّر سيارات لها وتطلب من المدنيين أوراقهم الثبوتية لتبيان صلة القرابة بينهم، وتبحث عن الأراكيل لمصادرتها. "سواعد الخير" أبلغت المقاهي وصالات الإنترنت بضرورة عدم عرض مباريات كرة القدم، لأنها "مضيعة لأوقات المسلمين".

أحد عناصر "الحسبة" صفع بائع بسطة في ساحة إدلب لبيعة علبة تبغ واحدة، وفرضت عليه غرامة مالية مثل أي مخالفة تضبطها. أحد باعة الدخان قال لـ"لمدن": "يستحيل منع بيع السجائر أو قطعها عن الأسواق"، مضيفاً أنه فرّ من مناطق تنظيم "الدولة" الذي ورغم تشدده لم يستطع منع السجائر في الأسواق. وقال إنه كان يعمل في بيع الدخان المهرب، قبيل اندلاع الثورة، وإن حكومة النظام وكافة الفروع الأمنية لم تستطيع منع بيع الدخان المهرب، لزيادة مبيعاتها من الدخان المحلي. وأضاف أن عمله في بيع السجائر يشكل مصدر دخله الوحيد، وأنه لا يجيد عملاً آخراً وأن منع "الحسبة" بيع الدخان، لن يؤدي إلا لارتفاع ومضاعفة سعره.

إلا أنه، خلال الأيام الأخيرة، أفضت ممارسات "سواعد الخير" إلى فقدان الدخان وبضائع النرجيلة، من غالبية المحال التجارية، وزوال البسطات الصغيرة المخصصة لبيع التبغ المحلي والأجنبي، وبات شراء ذخيرة للأسلحة الخفيفة والمتوسطة أسهل من البحث عن الدخان. بيع الدخان بات أمراً يتخوف منه البائع والمشتري، وينحصر بين المعارف والزبائن الثقة، بصورة سرية.

"الحسبة" و"هيئة تحرير الشام" لا تكترث بقطع مصدر دخل عشرات الباعة والأكشاك والبسطات المتجولة، والتي تشكل المصدر الوحيد لكسب قوت يوم أصحابها وعوائلهم، مع انعدام البدائل، خاصة مع انتشار التسول بين مختلف شرائح المجتمع في مدينة إدلب، وسط انعدام فرص العمل، في منطقة تحيط بها الحرب من كل جوانبها، ويطالها القصف والغارات.

وبين التفجيرات والاغتيالات، تتسارع حملات "حكومة الإنقاذ" لإزالة "المخالفات"، ربما لتحصيل ضرائب مالية قد تنجح في تخفيف أعباء "الهيئة" المالية وسط شح مصادر تمويلها. إلا أن الرسوم المفرضة على المياه والكهرباء والنظافة والمواصلات، باتت تفوق قدرة الأهالي على الدفع، وسط الجبهات المشتعلة، وتراجع الأعمال وتفشي البطالة. وربما تشكل عمليات "الحسبة" الأخيرة مصدر دعم مالي لـ"تحرير الشام" و"حكومة الإنقاذ" و"وزارة الأوقاف"، إلا أنها تتجاهل حالة الإحتقان، التي باتت ظاهرة علنية في المشاحنات والصدامات المباشرة مع المدنيين، والحاضنة الشعبية للثورة.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها