آخر تحديث:10:26(بيروت)
الثلاثاء 13/06/2017
share

أحبوا قطر.. إكرهوا قطر

فادي الداهوك | الثلاثاء 13/06/2017
شارك المقال :
  • 0

أحبوا قطر.. إكرهوا قطر Spa.gov.sa ©
مرّ أسبوع على الزلزال السياسي الذي ضرب دول الخليج، ولا يبدو أن رفع أضرار ما خلّفه سيكون قريباً. حملات التشهير مستمرة بحق من يبدي رأيه، فالأجواء مسمّمة، ومواقع التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى ما يشبه الشوارع التي انتشرت على أرصفتها شرطة الآداب لمكافحة "رذيلة" المتعاطفين مع المواطنين القطريين، أو الرافضين لظلم ذوي قرباهم، وقد يكون عناصر تلك الشرطة يؤمّنون راحة السياح الإسرائيليين في جنوب سيناء المصرية مثلاً، أو "المثلث الذهبي" في الأردن.


وكأنها حربٌ أهلية، رفعت فيها السواتر والجدران قرب  الحدود، وأمام الأعين وعلى القلوب، فتطرد مواطنة قطرية من الإمارات، وتُمنع من أخذ ابنها معها لأنه إماراتي، والأخير بات ممنوعاً عليه السفر إلى قطر، وأصبحت أمه تهمة، بينما شقيقة الرئيس السوري بشرى الأسد، زوجة آصف شوكت، الجزار الراحل، والحاضر كل يوم في كوابيس السوريين ليلاً، ارتضت أن تكون "ربة منزل" في الإمارات، ولمّت شمل أبنائها ليعيشوا في رخاء البلاد السعيدة، بعدما رفضت دول الاتحاد الأوروبي حمل فضيحة احتضانها.


مع بداية الأزمة الخليجية، حرص الإعلام على إخبار المتفرّجين أن المشكلة سببها تصريحات لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بُثّت على التلفزيون القطري وعلى وكالة الأنباء الرسمية، ولكن فجأة تبيّن من تصريحات المسؤولين الخليجيين أن المشكلة ليست تلك التصريحات، بل علاقة قطر مع جماعة الإخوان المسلمين وحركة "حماس"، وأن لا رغبة لدى الدوحة لخوض حروب جديدة في المنطقة، على غرار حرب اليمن، الذي كان يصارع الحوثي فصارت الكوليرا تنهشه.


أخذت لائحة المطالب التي مررت عبر وسائل الإعلام تتغيّر كل يوم، وحصل ذلك مع إعلان قطر الاستعانة بمكتب التحقيقات الفدرالي "اف.بي.اي" للتحقيق في قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية، فلم يعد أحد يتحدث عن تصريحات أمير قطر. ولكثرة ما ورد اسم قناة "الجزيرة" في وسائل إعلام الدول المقاطعة، خمّن البعض أن المشكلة تكمن في تلك القناة التي تشاغب على برامج مسابقات الهواة على "ام بي سي"، وتشغل العرب عن متابعتها وتذكّرهم دائماً أنهم ليسوا تلك الشعوب السعيدة، وأن أوطانهم هي أوطان الكره والعنصرية والأموات والحروب والقتلة وليس الهواة..


ولتشتت هذا الصراع العجيب، وصلت الأمور إلى الرياضة، وتحديداً إلى شبكة قنوات "بي ان سبورتس" القطرية الرياضية، فطلب من موظفين أن يتركوا تلك الشبكة الرائدة. وأعلن النجم المصري أحمد حسام أو ميدو، توقفه عن العمل كمحلل رياضي فيها، وتبعه المعلّق الإماراتي علي سعيد الكعبي، فكتب تغريدة على "تويتر" أعلن فيها إنهاء تعاونه مع "بي ان سبورتس" "تنفيذاً لتعليمات الوطن وقيادته (..)"، ثم فجأة اختفت التغريدة. وكذلك فعل النجم السعودي والمحلل في القناة نواف التمياط، متمنياً لزملائه "وأهل قطر الطيبين" التوفيق.. وكل ذلك قد يدفع أحدهم إلى القول إن المشكلة، والله أعلم، هي أن "بي ان سبورتس" نجحت في الاستحواذ على حق البث الحصري للدوري الانجليزي الممتاز بعدما كان في عهدة قنوات أبوظبي الرياضية لثلاث سنوات.


في الواقع، لا يبدو أن أحداً يعرف ما هي المطالب التي على الدوحة أن تلبيها، لدرجة أن الموضوع تحوّل إلى سخرية كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أبدع فيها المصريون بشكل كبير؛ فتجد أحدهم نشر صورة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وأرفقها بعبارة "حطونا خليجيين مكانهم". ولكن هول التصعيد يمحو كل تلك النكات، فما تظهره وسائل الإعلام من إسفاف مريع وتضليل مفضوح يدلّ على أن المطلوب من المتفرّجين عموماً، ومن المواطنين القطريين خصوصاً تقبّل الإهانة والكذب، ومن الجنود القطريين تقبّل أن "محاربي الإرهاب" قرروا عدم السماح لهم بمحاربة الإرهاب في اليمن، فتم فصلهم من "التحالف العربي"، في تصرف يشبه تصرفات ناظر "مدرسة المشاغبين" الراحل حسن مصطفى، أو "ناظر" مجلس الشعب المصري علي عبدالعال مع نواب البرلمان المصري، عندما حرمهم من إبداء رأيهم في توق السيسي لنقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية.


وعلى ذكر أداء الإعلام، كيف يمكن مثلاً للعرب، بعد الآن، أن يثقوا بكتّاب الصحف الذين يحمّلون قطر وقناة "الجزيرة" مسؤولية ما حصل في مصر، تونس، سوريا، وفي ليبيا التي أعطى حلفاء دول المقاطعة فيها صك البراءة لسيف الإسلام القذّافي قبل يومين؟ ولتكتمل البذاءة راح أولئك الكتاب ينعتون الثورات على طغاة أمثال حسني مبارك وبشار الأسد ومعمر القذافي بـ"الربيع الإخواني". هل فعلاً أن الدماء التي سالت أمام الناس، والأشلاء التي جمعوها كانت مجرد لهو من جماعة الإخوان؟ وهل كانت تظاهرات السوريين تخرج فعلاً في استوديوهات قناة "الجزيرة" كما قالت لنا قناة "الدنيا" السورية؟


ليس مطلوباً التضامن مع سياسة قطر، ومن المفهوم أن يتخذ البعض مواقف ضد سياستها أو سياسة أي دولة أخرى، لكن ما لا يقبل المساومة هو التهديد بالعقاب وإجبار الناس على قبول هذا التسطيح والتضليل الذي تمارسه فضائيات وكتاب ودول، يطلبون الوقوف في صفهم ونقل رواية دعم الدوحة لمتشددين في سوريا وليبيا ومصر إلى الاجيال القادمة، في وقت لا يسمحون بسؤال الرياض عن سبب دعمها لـ"جيش الإسلام" في غوطة دمشق وكيف تحوّلت الحرب على الحوثي في اليمن إلى حرب لصدّ صواريخه عن المملكة، أو لماذا تدعم أبوظبي مليشيا تجنح لفكرة التقسيم في سوريا ويقودها رئيس الائتلاف الأسبق أحمد الجربا بأموال ينقلها له القيادي المفصول من حركة "فتح" الفلسطينية محمد دحلان ويسلمها له في مؤتمر يحضره وزير خارجية مصر سامح شكري.


المطلوب هو سؤال أي دولة عن سياستها تجاه قضايا تخص المنطقة العربية، وفي الوقت نفسه إدانة ترهيب تونس وإهانة مصر ولبنان، وتهديد دول أفريقية بحرمان مواطنيها من الحجّ إذا لم ينضمّوا للمقاطعة كما تقول "لوموند" الفرنسية، والتوقف عن السخرية من مساحة قطر لأن مساحة البحرين المنضوية في حلف المقاطعين أصغر، وإدانة احتكار التضامن والوطنية و"الإسلام المعتدل" في بلاد ما يزال مفتيها الذي أفتى بحلال المقاطعة في شهر رمضان يفتي بأن الموسيقى حرام، ودعاتها يغررون بملايين المتابعين على "تويتر". وأخيراً، بعد أن تتم المصالحة وتنتهي الأزمة، يجب التوقف عن ترديد عبارة بشار الأسد: أحبوا قطر.. إكرهوا قطر، كلّما غضب أمير هنا، وولي عهد هناك.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

فادي الداهوك

فادي الداهوك

رئيس قسم عرب وعالم، تويتر: fadidahouk