آخر تحديث:12:56(بيروت)
الجمعة 21/04/2017
share

كيف حوّل "حزب الله" الزبداني إلى مدينة "العتمة"

هارون الأسود | الجمعة 21/04/2017
شارك المقال :
  • 0

كيف حوّل "حزب الله" الزبداني إلى مدينة "العتمة" الزبداني ثاني مدينة افرغت بالكامل من أهلها، بعد داريا (انترنت)
تكريساً لسياسة النظام ومليشيا "حزب الله" في التغيير الديموغرافي والتطهير العرقي لمناطق المعارضة المسلحة في ريف دمشق، باتت مدينة الزبداني خاوية بالكامل من أهلها بعد تهجير آخر مقاتليها الـ158، بعد صمود اسطوري ضمن مساحة لم تتجاوز بضعة كيلومترات لسنوات. وتعد الزبداني ثاني مدينة أفرغت بالكامل من أهلها، بعد داريا.

وكان أهل الزبداني قد رحلوا عنها باتجاه مضايا المجاورة، تدريجياً، مع ازدياد كثافة عمليات الاقتحام العسكرية عليها، خاصة بعدما سيطرت مليشيا "حزب الله" على أحياء ضمن المدينة المُهدّمة. النزوح بين المدينتين تمّ عبر سلسلة أنفاق تربط بينهما، ليبقى في المدينة من أخذ على عاتقه مقاومة حملات الإقتحام شبه اليومية، في خرائب المدينة التي دُمّرت بالكامل.

اجلاء آخر مقاتلي الزبداني، هو مرحلة جديدة للتغيير الديموغرافي فيها. فالنظام والحزب، في ظل عدم وجود جهات حقوقية وإعلامية توثق انتهاكاتهما التي تطال البشر والحجر، قطعا كافة أشجار التفاح الذي اشتهرت به الزبداني يوماً، وحرقا ما لم يتمكنا من قطعه، وبيعت أخشابه في أسواق لبنان ودمشق عن طريق تجار الحزب.

تغيير معالم سهل الزبداني بحرق وقطع تفاحه التاريخي، استكملته مليشيا "حزب الله" بتغيير اسمه إلى "سهل الربيع". تغيير معالم السهل وتدمير المدينة قد يحول دون معرفة أهلها الحقيقيين لممتلكاتهم إذا ما عادوا يوماً. فلطالما ميّز فلاحو سهل الزبداني أراضيهم بعلامات لا يعرفها غيرهم؛ كأشجار معمرة أو حجارة مصفوفة بطريقة معينة. وتقطعت أوصال السهل بعدما رفعت المليشيا سواتر ترابية فيه بغية فصله عن محيطه. وامتد الساتر من طريق دمشق-بيروت "شارع الكورنيش" إلى سهل مضايا، بارتفاع ثلاثة أمتار، مع فصل سهل الزبداني عن سهل مضايا، بساتر مماثل.

محو الجغرافيا والسكان لم يكتمل مع مليشيا الحزب إلا بإعادة تسميتها للأماكن، فأطلقت على الزبداني اسم "مدينة النور" بعدما اجتاحتها العتمة. عتمة الطائفية المريضة والحقد على التاريخ.

ويتضح التغيير الديموغرافي والتطهير العرقي، مع منع المليشيا لموالي النظام من أهل الزبداني، من العودة إلى ممتلكاتهم. الحزب بدأ بتفجير المباني المتبقية في مناطق سيطرة الثوار عقب خروجهم منها، وبثّ الإعلام الموالي صوراً للدخان المتصاعد جراء التفجيرات، مدعياً أنه ناجم عن تدمير الثوار لمقارهم واحراق ذخائرهم التي لم يتمكنوا من اخراجها.

ودخلت قوات النظام ووسائل إعلامه الرسمي بلدة مضايا فور تهجير الثوار منها، بعد سير الحافلات، وأطلقت مليشيات النظام عيارات نارية، بشكل جنوني، بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، احتفالاً باحتلال أرض انتزعت من أهلها. ونظمت قوات النظام فوراً في مضايا، كعادتها، مراسم "عملية مصالحة"، وأخرجت مسيرات مؤيدة بحضور أعيان البلدة الذين ساهموا بتهجير المعارضة. حدث ذلك على الرغم من أن "اتفاق المدن الأربع" نص على عدم دخول النظام إلى المنطقة، وعلى تسوية أوضاع الثوار الذين لا يريدون الخروج من أرضهم. الانطباع المتوهم بالأمان لبعض المعارضين، والذي حملهم على عدم مغادرة مضايا مع الدفعة الأولى من المهجرين قسراً منها، سرعان ما تلاشى، واضطروا للخروج مع الدفعة الثانية، بعدما دخلت قوات النظام إلى المنطقة فور سير حافلات تهجير الدفعة الأولى. وهمُ الأمان تبينت استحالته، كاستحالة تغيير نهج النظام ومسالكه الهمجية، وعدم "تسوية أوضاع" المعارضين بما يضمن عدم إعفائهم من سوقهم إلى معسكرات الاحتياط والتجنيد الإلزامي في صفوف مليشيات النظام.

ودامت احتفالات النظام بعودة مضايا إلى "حضن الوطن"، لساعات، بحضور وجهاء البلدة كجميل يوسف وفايز مظلوم وعامر سيطة وأبو رائد ليلى. ودخلت من بعدها سيارات تحمل مواداً غذائية وتموينية بعد انقطاعها خلال سنوات الحصار، ووزعت مساعدات غذائية بلغت حصة كل عائلة منها نصف كيلوغرام، مع ادخال 3000 ربطة خبز.

وعلى عكس ما جرى في الزبداني، سُمح للمدنيين والعوائل الموالية للنظام بالدخول إلى مضايا، وتفقد ممتلكاتهم. وتُقدر أعدادهم بحوالي 4000 شخص. في حين فضّل 1500 شخص عدم النزوح من البلدة.

ودخلت إلى مضايا مباشرة أجهزة النظام الأمنية، وقامت باقتحام مقار الثوار السابقة، ومنها منزل القيادي أبو عبد الرحمن ناصيف، والمشفى الميداني في دوار الشيزر، ومقار للمعارضة على طريق الكواع، مع مداهمة العشرات من المنازل التي تعود للثوار المُهجّرين قسراً.

في سرغايا التي هُجّر عدد من ابنائها ضمن الدفعة الثانية، على الرغم من أنها غير مشمولة بـ"اتفاق المدن الأربع"، فقد أخذت الأوضاع فيها منحى مختلفاً، كونها أنجزت "مصالحة" مع قوات النظام في 21 شباط/فبراير 2017، وسبق أن هُجّر بموجبها قرابة 300 مقاتل، وبقي فيها عدد من المطلوبين لأجهزة الاستخبارات السورية، ممن اتخذوا من سهول سرغايا مقاراً لهم إلى حين تهجيرهم ضمن الدفعة الثانية، ولم يتجاوز عددهم العشرات.

وكان القيادي العسكري مهند الشماط، مع عدد من عناصره، قد تفاوضوا مع النظام لإجراء "المصالحة" في سرغايا، وبقوا فيها على هيئة "لجان شعبة" مسيّرة من قبل النظام. ويحيط بسرغايا غموض، بشكل عام، خاصة أنها لم تتعرض لعمليات عسكرية قبيل إبرامها "المصالحة"، ويعزى ذلك لأنها المنفذ الوحيد لقرى شيعية مجاورة في لبنان.

الثوار المهجرون من الجبل الشرقي، والبالغ عددهم نحو 40 مقاتلاً، كانوا قد اتخذوا من الجبل غير المأهول بالسكان منطقة لهم. ويعتبر الجبل الشرقي أعلى قمة في المنطقة، وتطل من جهة القلمون على قرى وجرود رنكوس وفليطة وتلفيتا ومن جهة اخرى على قرى وادي بردى.

وشملت الدفعة الثانية من المُهجّرين إخلاء ما يقارب 200 شخص من وادي بردى، بسبب رفض قوات النظام إتمام إجراءات "المصالحة" معهم، بذريعة وجود "أحكام جنائية" بحقهم.

ووصلت صباح الجمعة حافلات الدفعة الثانية من المُهجّرين قسرياً من مدينتي الزبداني ومضايا، ووادي بردى وسرغايا والجبل الشرقي، إلى منطقة الراشدين غربي حلب التي تسيطر عليها المعارضة، في حين دخلت حافلاتٌ تُقل أهالي بلدتي الفوعة وكفريا ومسلحيها إلى منطقة الراموسة الواقعة تحت سيطرة قوات النظام. وكانت 5 حافلات تقل مُهجّري الزبداني قد غادرت مدينة حلب عبر طريق الراموسة إلى منطقة الراشدين، فيما دخلت نحو 10 حافلات تقل أهالي بلدتي الفوعة وكفريا ومسلحيها إلى مدينة حلب، تمهيداً لنقلهم إلى مركز جبرين للإقامة المؤقتة.

وكانت دفعة مُهجّري المعارضة الثانية قد ظلّت عالقة في معبر الراموسة، لأيام، بانتظار تبادل الحافلات مع مُهجّري كفريا والفوعة. وترجع أسباب تعثر التبادل إلى خلافات حول أسماء وأعداد جرحى تفجير الراشدين الذين تم نقلهم إلى مشافي إدلب، وهم من دفعة المُهجّرين الأولى. كما يعود التعثر أيضاً الى نية النظام اخراج 1500 معتقلاً حديثاً لم يمض على توقيفهم سوى أسابيع، في ما يُعتقد أنه احتيال جديد نفذه النظام على تنفيذ بند الإفراج عن المعتقلين.

سياسات النظام التمييزية طالت مهجري الدفعة الأولى من مواليه في كفريا والفوعة، فقسمهم إلى مجموعتين؛ الأولى من المسلحين وذويهم، ولقيت معاملة خاصة بعد نقلهم إلى القرية مسبقة الصنع في حسيا في حمص، أما المجموعة الثانية فقد وضعت في منطقة جبرين قرب مطار حلب، في مخيم جماعي، بلا أي خدمات ولا حتى طعام يكفي.

وبدأ تنفيذ اتفاق "المدن الأربع" مطلع نيسان، وخرجت الدفعة الأولى من المُهجّرين، بالتوازي من كفريا والفوعة، ومن مضايا ووادي بردى، في 14 نيسان، في حين تأخر خروج الدفعة الثانية إلى 19 نيسان وشملت بالنسبة للمعارضة بالإضافة إلى مضايا المُهجّرين من الزبداني وسرغايا والجبل الشرقي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها