آخر تحديث:09:25(بيروت)
السبت 18/02/2017
share

هل تطوى صفحة "جند الأقصى" التي أتعبت المعارضة؟

عقيل حسين | السبت 18/02/2017
شارك المقال :
  • 0

هل تطوى صفحة "جند الأقصى" التي أتعبت المعارضة؟ الاتفاق نص على تسليم اللواء أسلحته الثقيلة، وخروج مقاتليه بالسلاح الشخصي عبر منطقة البادية (انترنت)
وسط هدوء حذر على الأرض، وسجال متصاعد في الساحة الإعلامية، انتهت ترتيبات خروج "لواء الأقصى" إلى مناطق تنظيم "الدولة الإسلامية"، تنفيذاً للاتفاق مع "هيئة تحرير الشام". اتفاق يفترض أن يكون قد انجز صباح السبت، بإشراف وضمانة "الحزب الإسلامي التركستاني".

يأتي ذلك في الوقت الذي يتواصل فيه اكتشاف العديد من المقابر الجماعية الجديدة، التي تضم رفات أسرى ومعتقلين كانوا محتجزين لدى "لواء الأقصى". وبلغ عدد الضحايا من عناصر مختلف الفصائل نحو 200، القسم الأكبر منهم من مقاتلي "جيش النصر" التابع للجيش الحر في حماة. الأمر الذي تسبب بحالة احتقان شديدة بين سكان المنطقة وفصائل المعارضة الأخرى، احتجاجاً على الاتفاق، الذي يقولون إنه يسمح للقاتل بالإفلات من العقاب.

وبعد أربعة أيام من المواجهات العنيفة بين الجانبين، والتي كانت قد اندلعت مساء الأحد في ريفي إدلب وحماة، توصلت كل من "هيئة تحرير الشام" و"لواء الأقصى" إلى اتفاق يقضي بتوقف المعارك بينهما، وخروج مقاتلي اللواء إلى مناطق سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" ابتداءً من مساء الجمعة حتى صباح السبت.

الاتفاق الذي نص في المقابل على تسليم اللواء أسلحته الثقيلة، وخروج مقاتليه بالسلاح الشخصي عبر منطقة البادية، التي تسيطر عليها "جبهة فتح الشام"، جرى بواسطة "الحزب الإسلامي التركستاني" وعدد من الشخصيات المستقلة من التيار الجهادي، ما وضع حداً لقتال عنيف شمل أجزاء واسعة من ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، وأدى أيضاً لمقتل أكثر من خمسين عنصراً من "هيئة تحرير الشام" وعدد مماثل من مقاتلي "لواء الأقصى" حسب مصادر ميدانية، ليرتفع عدد الضحايا الإجمالي إلى 300 قتيل على الأقل.

كما نص الاتفاق، الذي تم التوصل إليه مساء الخميس، على إطلاق "لواء الأقصى" سراح بقية الأسرى المحتجزين لديه من عناصر "هيئة تحرير الشام" وبقية الفصائل. وأعلن اللواء أنه ما زال يحتفظ بخمسة عشر أسيراً، بعد أن أعدم العشرات من العناصر الذين يحتجزهم، بينهم 40 من "هيئة تحرير الشام" وأكثر من 100 من "جيش النصر" الذي أكدت مصادر محلية أن جميع أسراه المعتقلين لدى اللواء تقريباً تمت تصفيتهم على دفعات كان أكبرها 70، بالإضافة لنحو عشرة آخرين من فصائل مختلفة، على رأسها "حركة أحرار الشام الإسلامية".

وكانت عمليات إعدام الأسرى التي تم الكشف عنها منذ اليوم الأول من المواجهات، قد صعّدت من حدة الهجوم الذي شنته "هيئة تحرير الشام" ضد اللواء، الذي اقتحم في وقت مبكر صباح الإثنين، 13 شباط/فبراير، محكمة "دار القضاء" التابعة لـ"جبهة فتح الشام" في مدينة خان شيخون في ريف حماة، واعتقل جميع العاملين فيها والحراس البالغ عددهم 40 شخصاً قبل أن ينفذ بهم إعداماً جماعياً.

كما تم الكشف عن إعدام اللواء 70 عنصراً من "جيش النصر" في اليوم نفسه، وهؤلاء كانوا قد سلموا أنفسهم لمقاتلي "الأقصى" قبل أسبوعين، خلال عملية خاطفة نفذها اللواء، وسيطر في نهايتها على مدينة كفر زيتا في ريف حماة الجنوبي، التي تعتبر معقل "الفوج 111" التابع لـ"جيش النصر" الذي عاد وأحصى عشرات آخرين من مقاتليه بين جثث الضحايا التي انتشلت في وقت لاحق في المناطق التي انسحب منها "جند الأقصى".

ومعظم هذه الجثث كانت مرمية في آبار مهجورة وعليها آثار تعذيب، الأمر الذي جعل الإعلان عن الاتفاق بين اللواء و"هيئة تحرير الشام" محط انتقاد واسع، ممن اعتبروا أن الهيئة قد تهاونت في دماء الضحايا الذين قتلهم اللواء، مقابل الظفر بالأسلحة التي كانت بحوزة "جند الأقصى".

لكن القيادي في "هيئة تحرير الشام" أبو العبد أشداء، حمل بشدة على منتقدي الاتفاق، واعتبره انجازاً للهيئة، وأنه جاء تتويجاً لمعركة حققت أهدافها التي عجزت من قبل جميع الفصائل التي قاتلت "لواء جند الأقصى" عن تحقيق أي منها، حسب قوله.

وقال أبو العبد، في "تويتر"، مخاطباً عناصر "هيئة تحرير الشام" عقب توقيع الاتفاق: "في أربعة أيام حسمتم معركة عجز غيركم على أن يحسمها في شهور، وقتلتم منهم ضعفي ما قتلوا منكم، وأخرجتموهم بشروطكم صاغرين، وغيركم غرد وندد وتوعد ولم يستطع أن يرسل خمسة عشرة مجاهداً من كتيبته".

القيادي في "حركة أحرار الشام" أبو سليمان الغاب، اعتبر تصريحات أبو العبد أشداء غير دقيقة، وأن وصف ما حدث بالانجازات أمر مبالغ به، في ضوء النتائج النهائية للمعركة، وشروط الاتفاق الذي أنهاها.

الغاب وفي حسابه في "تويتر" أيضاً، وجّه انتقادات للطريقة التي تمت بها إدارة هذه المعركة من قبل "هيئة تحرير الشام" متسائلاً "كيف تكون انجازاً إذا كانت نتيجة اليوم الأول منها تصفية مئة وخمسين من عناصر الهيئة وبقية الفصائل، الذين كانوا أسرى لدى لواء جند الأقصى، ومع ذلك يسمح لهم بالخروج إلى الجهة التي يريدونها". وهو أمر اتهم به الغاب، الهيئة، بعدم التعامل معه بالمسؤولية اللازمة، متسائلاً: "أليس هؤلاء الضحايا من المسلمين؟".

ورد أبو سليمان على انتقادات أبو العبد لمعارك الفصائل السابقة ضد "جند الأقصى" بالقول: "‏أما معركة أحرار الشام التي جاءت مباغتة من قبل الجند ولم يتم التجهيز لها لأيام مثلكم، فقد تصرفت فيها الحركة بحكمة، إذ كان ملف الاسرى مقدماً على أي تحرك عسكري".

السجالات على هذا الصعيد امتدت لتشمل الماضي والحاضر والمستقبل كذلك، حيث حضرت وبقوة آثار الوقائع القاسية لنتائج مواجهات الأيام الأربعة على أهالي المنطقة التي تركزت فيها المعارك، والذين فقدوا أبناءهم على يد أبناء آخرين غالباً، ليدفنوا في مقابر واحدة في النهاية، من دون أي أمل بالمحاسبة، ولا أي رغبة باستمرار هذا القتال بالتأكيد.

كما حضرت وبقوة أكبر، النتائج المحتملة لتطبيق هذا الاتفاق مستقبلاً، حيث أعتبر الكثيرون أن السماح لمقاتلي اللواء بالالتحاق بتنظيم "الدولة"، يعني بالتأكيد انتظار عودة هؤلاء المقاتلين لاحقاً لمهاجمة المناطق التي خرجوا منها وبقوة أكبر، أو على الأقل، الانتقام، من خلال تنفيذ المزيد من عمليات الاغتيال والتفجير في هذه المناطق.

وكان تجمع "أهل العلم في الشام" قد دعى إلى عدم التسامح مع "لواء جند الأقصى" أو "لواء الأقصى" المنشق عنه، والتعامل معهما بشكل حاسم بعد فشل كل مساعي الحوار، مبيناً أن السماح لخروج مقاتليه إلى الرقة يجب أن يكون الحل الأخير، ووفق شروط مشددة.

وفي بيان له، اعتبر التجمع المحسوب على التيار السلفي الجهادي "أن الأصل هو عدم السماح للواء جند الأقصى بالخروج إلى الرقة، فإن كان لا بد أن يحدث ذلك، فيجب على الفصائل تجريدهم من سلاحهم، وقتل رؤوس الفساد فيهم، وخاصة أئمة الجهل والضلال، وإرجاع السلاح الذي نهبوه عن طريق القضاء العادل".

ورغم الحديث عن حالة احتقان شديد تسود الرأي العام المحلي في المناطق التي ينتمي إليها الأسرى الذين تم اعدامهم على يد "لواء جند الأقصى" في حماة وإدلب، إلا أن البعض اعتبر أن ما تحقق في نهاية المطاف، هو صفقة رابحة للجميع.

وحسب هؤلاء، فإن خروج "لواء جند الأقصى" من مناطق سيطرة المعارضة، سيمنح بقية الفصائل أريحية كبيرة في التنقل والحركة، إلى جانب التخلص من متاعب الشق الأمني، التي لطالما تسبب بها عناصر وقادة اللواء المرتبطين بتنظيم "الدولة"، كما سيضع حداً لهاجس سعي "جند الأقصى" لإقامة إمارته الخاصة، والتي يؤكد الكثيرون إنها كانت وشيكة في ريف حماة الشمالي.

وبالنسبة إلى "هيئة تحرير الشام" التي اتهم بعض القادة فيها الفصائل الأخرى بعدم مساندتها في هذه المعركة، وهو ما نفاه القيادي في "حركة أحرار الشام" أبو سليمان الغاب أيضاً، كاشفاً أن الهيئة رفضت العديد من العروض التي قدمتها فصائل أخرى للمشاركة إلى جانبها في هذه المعركة، رغبة منها بالاستحواذ لنفسها على مقرات وأسلحة جند الأقصى، حسب قوله، الذي وافق عليه الكثيرون، فإن هذا الاتفاق يحقق لها بالفعل هذا الأمر، بغض النظر إذا كان ضمن أجندتها أم لا، بعدما وقّعت الهيئة الاتفاق بمفردها مع "الجند"، وهو الأمر الذي انتقده العديد من القادة، الذين رأوا في الاتفاق تجاوزاً على بقية القوى التي كان يحق لها أن تكون صاحبة رأي فيه، على الأقل كشركاء في الساحة.

أما بالنسبة لـ"لواء جند الأقصى" الذي شهد انشقاقات متتالية طيلة الفترة الماضية، بدأت بانقسام اللواء عقب خروجه من "جبهة فتح الشام" في كانون الثاني/يناير 2017 إلى "لواء جند الأقصى" و"لواء الأقصى"، ومن ثم انشقاق عشرات من عناصر اللواء الجديد، مع إعلان الحرب مع "هيئة تحرير الشام"، وأخيراً انشقاق أكثر من مئة آخرين عن "الأقصى" خلال الأسبوع الفائت بالتزامن مع المواجهات، فإن من تبقى من عناصره وقادته، يعتبرون الكتلة المرتبطة أو المؤيدة لـ"الدولة الإسلامية"، وبالتالي فإن خروجهم يعتبر هدفاً نهائياً كانوا ينتظرون تحقيقه على أي حال.

تبقى تفاصيل مسيرة "لواء جند الأقصى" منذ انشقاقه عن "جبهة النصرة" آواخر العام 2013، بسبب اقتتالها مع تنظيم "الدولة" ومشاركته للجبهة لاحقاً في جميع هجماتها على الفصائل الأخرى، وحماية الجبهة له من رد فعل هذه الفصائل، إن بشكل شخصي لقادته وأفراده المتورطين بجرائم أمنية، أو بشكل جماعيٍ توج في تشرين الأول/أوكتوبر 2016 بإعادة ضمّها اللواء إلى الجبهة، إثر إعلان ثمانية من الفصائل وعلى رأسها "حركة أحرار الشام" الحرب على اللواء، تبقى كلها تفاصيل ووقائع سلبية لن يكون من السهل نسيانها بالنسبة لخصوم الجبهة ومعارضيها، الذين لم يتوان الكثير منهم عن تحميلها جزء كبيراً من المسؤولية عن استمرار اللواء وتنامي قوته، إلى الحد الذي تسبب معه بكل هذا العدد من الضحايا، على الرغم من توجهاته التي كانت واضحة على الدوام، من الناحيتين الفكرية والأمنية. ومع ذلك، فإن الجميع سيكون مرتاحاً في النهاية لوضع حد لواحدة من أكثر التجارب مأساوية عاشتها المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في الشمال، إذا ما تم تنفيذ الاتفاق كما هو منصوص عليه.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها