آخر تحديث:14:09(بيروت)
الإثنين 13/11/2017
share

لماذا فشلت "تحرير الشام" في القضاء على "الزنكي"؟

خالد الخطيب | الإثنين 13/11/2017
شارك المقال :
  • 0

لماذا فشلت "تحرير الشام" في القضاء على "الزنكي"؟ شعور الانتصار ظهر في خطاب "الزنكي" التصعيدي ضد "الهيئة" (انترنت)
فشلت "هيئة تحرير الشام" في تحقيق أهداف المعركة التي بدأتها، قبل أسبوع، ضد "حركة نور الدين الزنكي" في ريف حلب الغربي، وتكبدت خسائر بشرية كبيرة في صفوفها زادت عن 40 عنصراً بين قتيل وجريح. وجرت المعارك الأعنف بين الطرفين، السبت والأحد، واشتبك الطرفان على أطراف مدينة دارة عزة، واستمر القتال والقصف المتبادل بالأسلحة المتوسطة والدبابات لساعات.

"الحركة" باشرت الهجوم هذه المرة، وتمكنت من السيطرة على حاجز الكنج، ودخلت بعض أحياء المدينة الهامشية واشتبكت مع عناصر "الهيئة" فيها، قبل أن تضطر للانسحاب، بعد استحالة سيطرتها على المدينة الكبيرة. وأسفر القتال في دارة عزة عن مقتل ثلاثة مدنيين وجرح آخرين. وقتل خلال المعركة قاضي محكمة دارة عزة، مصري الجنسية وأحد الشخصيات البارزة في "الهيئة" أبو مجاهد المصري.

وعلى خلفية المعارك العنيفة التي شهدتها دارة عزة، أصدر المجلس المحلي للمدينة بياناً، طالب فيه الطرفين بتحييدها عن القتال مؤكداً خلو المدينة من أيّ مقر عسكري أو جهة عسكرية مسيطرة على أيّ مرفق عام فيها، وهذا ما شككت "الزنكي" في صحته معتبرة أن المدينة ما تزال تشهد انتشار عناصر "الهيئة".

وامتدت المعارك التي شهدتها دارة عزة إلى أورم الكبرى وجمعية الكهرباء و"الفوج 111" وتقاد التي سيطرت عليها "الحركة" فجر الأحد، بعد معارك عنيفة مع "الهيئة" التي خسرت أكثر من 15 عنصراً بين قتيل وجريح. وعاودت "الهيئة" محاولة اقتحام بلدة كفرناها بعد ساعات على انسحابها من تقاد، ولم تكن النتيجة أفضل حالاً، وهُزمت "الهيئة" وخسرت مزيداً من عناصرها. في المقابل، خسرت "الزنكي" القائد العسكري فيها زكريا صوان.

طيلة الأيام الستة من المعارك مع "الهيئة"، كانت "الزنكي" مدافعة ومهاجمة، بشكل ناجح، إذ حافظت على مواقعها التقليدية التي تتمتع فيها بأرضية شعبية كبيرة؛ قبتان الجبل وما حولها، وتصدت لـ"الهيئة" حيناً، وهاجمتها أحياناً لاستعادة مواقع وبلدات خسرتها خلال ساعات القتال الأولى. في الوقت ذاته، كانت خسارة "الزنكي" البشرية أقل بكثير من خسائر "الهيئة". وربما كان ذلك بمثابة انتصار لـ"الزنكي"، وكسر لشوكة "الهيئة"، الأمر الذي لم تتمكن من تحقيقه باقي فصائل المعارضة.

شعور الانتصار ظهر في خطاب "الزنكي" التصعيدي ضد "الهيئة"، وخروج عدد من قادتها وممثلي مكاتبها الإعلامية والسياسية عن صمتهم الذي ساد خلال الأيام الأولى من القتال. وانعكس ذلك أيضاً على التعامل مع المبادرات والمناشدات المحلية والعشائرية لوقف القتال. وأبرز المبادرات التي عرضت على الطرفين، السبت، مبادرة "سمعنا وأطعنا" المشتركة بين شرعيين سابقين في الهيئة، بينهم السعودي عبدالله المحيسني، وعبدالرزاق المهدي، و"تكتل العشائر العربية" واللجنة الشرعية في "فيلق الشام". وفشلت هذه المبادرة لاختلاف الطرفين على مكان عقد الاجتماع. كل طرف أراد عقد الاجتماع على أرضه.

وكثفت "الزنكي" هجمتها الإعلامية ضد "الهيئة" بموازاة نجاحاتها العسكرية على الأرض، وراحت تلوح بولادة ائتلاف عسكري يضم "أحرار الشام" و"جيش الأحرار" لقتال "الهيئة". وأربكت هذه التلميحات "الهيئة" التي أنشأت مزيداً من الحواجز العسكرية، وقطعت طرقاً أخرى بين المدن والبلدات في ريفي ادلب وحلب الغربي والجنوبي. وهاجمت "الزنكي" "فيلق الشام" متهمة إياه بالتواطؤ مع "الهيئة"، وردّ "الفيلق" بالنفي، مؤكداً أن غايته إصلاح ذات البين والوصول إلى وقف لإطلاق النار.

في الطرف المقابل، لم تنجح دعاية "الهيئة" هذه المرة في إقناع جماهير مؤيديها والشارع بشكل عام بمشروعية حربها. الرسائل بدت مكررة تشبه إلى حد ما تلك التي رافقت حملتها ضد "أحرار الشام" و"جيش المجاهدين". وتمحورت الرسائل حول مظلوميتها، وكرهها للقتال الذي أجبرت عليه. وادعت "الهيئة" أن "الزنكي" اعتقلت عوائل عناصر لديها مهاجرين ومحليين، بينهم نساء وأطفال، لتحرض مقاتليها على القتال. كذلك ادعت "الهيئة" عبر منصتها الإعلامية "وكالة إباء" أن هناك علاقة وتنسيقاً مباشراً بين "الزنكي" و"جيش الثوار" في عفرين من أجل المعركة ضدها، وهذه اتهامات لطالما حرص تنظيم "الدولة" على بثها لإقناع مقاتليه بقتال فصائل المعارضة. كل الاتهامات التي أطلقها منظرو "الهيئة" وشرعيوها نفتها "الزنكي".

عوامل عديدة كانت سبباً في خسارة الجولة الأولى من المعركة ضد "الزنكي"، والتي من المحتمل أن تتوقف حتى موعد آخر تقرره "الهيئة" ريثما تعيد حساباتها وخطط معركتها التي بدت عشوائية لا كسابقاتها من المعارك. وربما لن تسمح "الزنكي" بتوقف المعركة التي بدا الاستمرار فيها مغرياً.

واعتمدت "الهيئة" بشكل كبير على "قاطع البادية" في قتالها "الزنكي". ومعظم مقاتلي القاطع ليسوا على معرفة بجغرافية ريف حلب الغربي ذي الطبيعة الجبلية الوعرة، والتي تؤمن لمن هو في موقع المدافع حصانة ورصداً، ونصباً لكمائن للقوات المهاجمة. والمعارك التي جرت بين الطرفين أثبتت أهمية العامل المكاني في القتال.

قسم كبير من المهاجرين في صفوف "الهيئة" اعتزلوا القتال منذ بدايته، والقلة التي شاركت اقتصرت على بعض الشرعيين وصغار العناصر. وهذا عامل مهم يؤثر على معنويات عناصر "الهيئة" الآخرين الذين شكك قسم كبير منهم في مشروعية القتال ضد "الزنكي". وتأتي مجموعة الانشقاقات التي حصلت في صفوف "الهيئة"، على قلتها، كسبب وجيه لضعف أدائها. ومن بين الكتائب المنشقة؛ "كتيبة الشهيد فراس أبو أيمن" و"كتيبة الشهيد محمد ياسين نجار" و"شهداء الوسطاني" و"الفاروق" و"أسود الرحمن". وأكبر هذه المجموعات المنشقة كان "قاطع الملاحم العسكري".

"الزنكي" ومن موقعها كمتحصن ومدافع عن المواقع والقرى والبلدات التي تسيطر عليها، كان بإمكانها استخدام الأسلحة الثقيلة ضد حشود "الهيئة" وأرتالها العسكرية في الأطراف الخالية من السكان. وكان محرجاً استخدام "الهيئة" الأسلحة الثقيلة في أكثر من معركة، وعلى الرغم من ذلك استخدمتها "الهيئة" في أكثر من واقعة، وتسبب القصف بمقتل وجرح مدنيين، وجلب لها المزيد من السخط الشعبي.

ولعل العامل الأهم في نجاح "الزنكي" هو الاستنفار الشعبي الذي حصل في القرى والبلدات التي تعرضت لهجوم "الهيئة"، إذ حمل المئات السلاح للدفاع عن قراهم ومدنهم. وكان "الاتحاد الشعبي"، أحد التشكيلات الشعبية التي تشكلت قبل مدة بمساعدة "الزنكي"، جزءاً من الحراك الشعبي المسلح الذي وقف في وجه "الهيئة". ويمكن القول إن المعركة ضد "الهيئة"، كانت شعبية، وما تعتبره "الزنكي" انتصاراً، لم يكن ليتحقق لولا الاستنفار الشعبي في مناطق ريف حلب الغربي، وهو ما حسبت "الهيئة" حسابه قبل كل شيء، وربما ما سيدفعها للقبول بهدنة.

"الهيئة العامة الثورية في مدينة الآتارب"، أطلقت مبادرة، الأحد، وافق الطرفان عليها بشكل مبدئي، وتقول بوقف إطلاق النار من الساعة التاسعة مساءً. "الهيئة" لبّت الدعوة وحضر عنها قائد "قاطع حلب" أبو إبراهيم سلامة، والشرعي فيها أبو  ماريا القحطاني، ولم يحضر عن "الزنكي" شخصيات معروفة. وتم توقيع البيان الأول، ونص الاتفاق على وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين، وتشكيل لجنة للعمل على جمع الطرفين وتحكيم الشريعة بينهما، وتقرر عقد لقاء آخر خلال الساعات القادمة لتثبيت وقف إطلاق النار.

ولم يلتزم الطرفان بشكل كامل بوقف إطلاق النار، وسمعت اشتباكات متفرقة في مناطق ريف حلب الغربي، فجر الاثنين، وليس معروفاً بعد إن كان الاتفاق سيصمد أم أنه استراحة محارب ليعود الطرفان من جديد للاشتباك العنيف حتى النهاية.

الناطق الرسمي باسم "حركة الزنكي" النقيب عبدالسلام عبدالرزاق، أكد لـ"المدن" أن "الحركة" أبدت تجاوباً مع مختلف المبادرات التي طرحت بشأن وقف الاقتتال، وكان موقفها جدياً تجاه مبادرة "أهل العلم"، فقد وافقت "الحركة" فوراً على الاسراع في وقف القتال، لكنها طلبت إعادة الحقوق، وشروط آخرى منطقية، لكن الطرف الاخر لم يعطِ أي رد. وأضاف عبدالرزاق، أن هناك كثير من المبادرات طرحت بتوجيه من "الهيئة"، وافتقرت لمقومات المبادرة الحقيقية، وكان معظمها شفهياً بلا آلية تنفيذ.

وبخصوص مبادرة "الهيئة العامة الثورية في الآتارب"، قال عبدالرزاق، إن "الحركة" وافقت بشكل مبدئي عليها، ومن المقرر أن تتم لقاءات أخرى يمكن من خلالها أن تتضح قابلية هذه المبادرة للعيش أم أنها ستكون كسابقاتها.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها