آخر تحديث:08:25(بيروت)
الثلاثاء 10/01/2017
share

ولم يبقَ للسوريين سوى أستانة..

مازن عزي | الثلاثاء 10/01/2017
شارك المقال :
  • 0

ولم يبقَ للسوريين سوى أستانة.. تسعة صحافيين معارضين لنزارباييف، ماتوا "صدفة" في حوادث سير (أ ف ب)
عندما فرضت روسيا عقوبات اقتصادية على تركيا، نتيجة اسقاط طائرة حربية روسية خرقت الأجواء التركية نهاية العام 2015، قامت "دولة" أبخازيا بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا. وأبخازيا هي "دولة" صغيرة على الضفة الشرقية للبحر الأسود، ويكاد لا يعترف بوجودها أحد سوى روسيا. عقوبات أبخازيا الإقتصادية على تركيا، ورغم عدم تطبيق معظم بنودها، مرّت من دون أن يلتفت لها أحد، ونافل القول إنها لم تؤثر في الاقتصاد التركي. أبخازيا وشقيقتها أوسيتيا الجنوبية، هي مقاطعات انتزعتها روسيا من غريمتها جورجيا، في حروب متقطعة أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك دوله.

أسلوب روسيا في دعم متمردين انفصاليين موالين لها، لاقتطاع مساحات من دول مجاورة، تكرر مع الأزمة الأوكرانية، إذ أعلنت كل من لوهانسك ودانيتسك، حكماً ذاتياً شرقي أوكرانيا، بالاضافة إلى احتلال موسكو لشبه جزيرة القرم. الأسلوب ذاته رافق حروب القوقاز منذ العام 1993، وإقامة دولة الشيشان بعد تدمير القوات الروسية لعاصمتها غروزني. المتمردون الشيشان الذين حاربتهم روسيا كـ"إرهابيين" في الشيشان، كانوا قد قاتلوا في صفوف المليشيات الروسية في أبخازيا، بقيادة شامل باساييف، الذي قتل لاحقاً في عملية استخبارية روسية.

قد يكون تمدد روسيا على حساب جاراتها، أمراً منافياً للقانون الدولي وسيادة الدول، إلا أن للكرملين، رواية أخرى دائماً، تتعلق بحماية مواطنين روس في تلك الدول، أو حتى التذرع بطلب رسمي من حكومات أقاليم محلية. ومع ذلك، وبالنظر إلى خريطة التمدد الروسي، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، يمكن ملاحظة مجموعة من العمليات المتوازية: قضم قطاعات صغيرة من الأرض، وإحداث عمليات تغيير ديموغرافي فيها بحيث تصبح موالية تماماً للكرملين بعد تهجير السكان من إثنيات وقوميات "معادية"، وتنصيب أنظمة لا تحظى باعتراف دولي تبقى دُمى في يد الكرملين، تعقد اتفاقات مشتركة مع روسيا الفيدرالية، وتكون معتمدة كلياً على الاقتصاد الروسي، وقد تدمج قواتها المسلحة في الجيش الروسي كما في حالة أبخازيا.

تلك الانتصارات الصغيرة على الأرض، تُقابَل بخلق حالة عداء كبيرة مع الجيران. فأوكرانيا وجورجيا باتتا من أشد أعداء روسيا، خصوصاً مع عمليات النزوح للأوكران والجورجيين إلى داخل البلدين، بما يُبقي مروياتهم حية، معادية للسردية الروسية. الأعمال العدائية الروسية لم تساهم إلا في تقوية القوميين في الدول المجاورة، ودفعهم للبحث عن الحماية في اتفاقات مع "حلف شمال الأطلسي" و"الاتحاد الأوروبي".

انتصارات صغيرة على الأرض وخسارات في الجيوسياسة في معظم البلدان المحيطة، بحيث باتت روسيا تطوّق نفسها بأقواس أزمات مشتعلة. وإذا كان أغلب سكان جورجيا وأوكرانيا يتبعون الكنيسة الأرثوذوكسية، فعداء موسكو مع كييف وتبليسي، لا يتعلق بالدِّين، بل يعمل على تضخيم العامل القومي في النزاع. حالة كازاخستان تبدو استثناءً، فغالبية سكانها من المسلمين، بنسبة 70 في المئة، و63 في المئة منهم من الكازاخ.

نورسلطان نزارباييف، الحاكم المستوحد الأوحد في كازاخستان، بملايينها التسعة، ومساحاتها الشاسعة، وثرواتها النفطية الهائلة، هو آخر الحكّام السوفيات. فمنذ العام 1989 استلم الحكم في "جمهورية كازاخستان السوفياتية" مفوضاً عن "الحزب الشيوعي"، واستمر في الحكم بعد الانهيار الكبير في العام 1991، حتى اليوم. نزارباييف، آخر ديناصورات الحقبة الشيوعية الأحياء، اتجه إلى الليبرالية الإقتصادية، ومَنَعَ الديموقراطية في بلاده. كحال معظم الديكتاتوريين في العالم، يرى نزارباييف الساعي لتوريث ابنته، في الديموقراطية، العدو الأكبر لسلطته. ومع ذلك، فهو يتفاخر بمستوى الأمن في بلاده، ويرفع من راية "التعايش" بين القوميات والأديان فيها. ولم يمنع ذلك، بعثة "الأمم المتحدة" من نقد قمع السلطات الكازاخية للسكان، وتكميم الأفواه، واغتيال الصحافيين. تسعة صحافيين معارضين لنزارباييف، ماتوا "صدفة" في حوادث سير، وآخر تلفزيون مستقل أغلق في العام 2016.

علاقة نزارباييف، الباحث عن إكسير الحياة، بفلاديمير بوتين، تكسوها الغرابة. فبوتين، تساءل في العام 2014، عن "شرعية" جمهورية كازاخستان، داعياً الكازاخ للتصرف بشكل حسن في ما يتعلق بالمصالح الروسية. بوتين قال: "لم يكن هناك أبداً، بلد يدعى كازاخستان، فتلك الجمهورية هي منتج صافٍ للرئيس الحالي نزارباييف". وأضاف بوتين: "كلي ثقة أن غالبية سكان كازاخستان يدعمون تطوير علاقات قوية مع روسيا". بالنسبة للرئيس الروسي: "نزارباييف قائد حذر، وربما الأكثر حذراً في الفضاء ما بعد السوفياتي. هو لن يتصرف أبداً، ضد إرادة شعبه". بوتين، الجيوستراتيجي، يرى أن "كازاخستان كانت جزءاً من عالم روسيا الكبير، الذي هو جزء من حضارة عالمية بمعايير الصناعة والتقدم التكنولوجي، وأنا كلي ثقة بأن الأمور ستظل هكذا في المدَيَين المتوسط والبعيد". الرئيس الروسي، أردف تلك الملاحظات الاستثنائية، بتحذير غامض: "نزارباييف صنع شيئاً فريداً. لقد خلق دولة في منطقة لم يكن فيها دولة من قبل أبداً. لم يكن للكازاخ دولة، أبداً".

قد تكون تلك الملاحظات المُبطنة أحد الأسباب التي دفعت نزارباييف للإنضمام إلى "الاتحاد الأوراسي"، مع روسيا وبيلاروسيا. تحالف أكد الرئيس الكازاخستاني، مراراً وتكراراً، على طبيعته الإقتصادية لا السياسية. التحالف دخل حيّز التنفيذ مع العام 2014، أثناء خروج أوكرانيا من عباءة الكرملين. وإن كان نزارباييف، يفهم شهية بوتين المفتوحة، ويتخوف منها، إلا أن ذعره مما حدث في أوكرانيا، جعل من التحالف مع روسيا، شراً لا بد منه. ومع ذلك، أوضح نزارباييف، في خطاب موجه لمواطنيه، المتظاهرين في أستانة وآلماتا، ضد النفوذ الروسي المتصاعد: "استقلالنا هو الكنز الأثمن الذي قاتل أجدادنا للحصول عليه. وقبل كل شيء، لن نسلمه لأحد، وثانياً سنفعل ما في وسعنا لحمايته. كازاخستان لن تكون جزءاً من منظمات تُشكّلُ تهديداً لاستقلالنا".

وسبق كلام بوتين المُلغّزِ، حملة منظمة في روسيا، يقودها القوميون، تطالب بأجزاء من كازاخستان، خصوصاً الحدودية الشمالية، كأراضٍ روسية. وتعيش غالبية روسية، في تلك التخوم الحدودية الصناعية، ما دفع إلى تعليق لوحات عملاقة تحمل اسم كازاخستان، لتذكير الجالية الروسية، التي تُشكّل خُمس سكان البلاد، بأنهم لا يعيشون في روسيا.

الأزمة التي تعيشها كازاخستان، ليست فريدة أيضاً. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وجد 25 مليون روسي أنفسهم في دول مجاورة، كنتيجة لسياسات الشيوعية في خلط وتحريك السكان، والتغيير الديموغرافي. لكن أزمات الدول المجاورة لروسيا، هي فرص لا تُفوّت لموسكو، التي دعمت مؤخراً إنشاء حزب قومي روسي في أستونيا، الجمهورية البلطيقية، المنضمة لـ"حلف شمال الأطلسي". وإذا كان الغرب، إلى حدّ ما، مستعداً لدعم أوكرانيا ودول البلطيق، من المدّ الروسي، فذلك لا ينطبق على كازاخستان. فنظام الأستانة الحديدي، يرى في الغرب تهديداً حقيقياً لسلطته من خلال الحديث عن "حقوق الإنسان" و"المؤسسات الديموقراطية". الأستانة ترى في الكرملين حليفاً لا بد منه، في نهاية المطاف. فمَن غير روسيا مستعد لدعم نظام سلطوي، لم يتردد في قتل عشرات العمال المتظاهرين، في كانون الأول/ديسمبر 2011، في بلدة زهاناوزين، الصناعية-النفطية، احتجاجاً على طرد شركة النفط المملوكة من الدولة أكثر من 1000 موظف.

في الأمس القريب، فرضت أبخازيا عقوبات على تركيا، واليوم تستضيف كازاخستان محادثاتِ سلام سورية... إنه العالم، كما يراه الكرملين.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مازن عزي

مازن عزي

كاتب وصحافي سوري