آخر تحديث:04:34(بيروت)
الإثنين 01/02/2016
share

محادثات السلام السورية: مغامرة في مركب قد يغرق

فادي الداهوك | الإثنين 01/02/2016
شارك المقال :
  • 0

محادثات السلام السورية: مغامرة في مركب قد يغرق جثة لطفل عثر عليها على الشواطىء التركية بعد غرق قارب لمهاجرين سوريين وأفغان (أ ف ب)
تدور داخل "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" منذ وفاة العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، مبارزة في التحليل السياسي بين الكتّاب. تلك المبارزة أخذت أطواراً متعددة، وصلت إلى مرحلة الاصطفاف مع أو ضد المملكة. فأصبحت الخلاصات التي يمكن الوصول إليها مما يكتبه الخبراء في المعهد تنحصر في معادلة وحيدة: قل لي ماذا تكتب، لأعرف مع من أنت.


تلك المبارزة كان موضوعها الأساسي هو إجراء الملك السعودي الجديد سلمان بن عبد العزيز تغييرات كبيرة، وصفت بالانقلاب، استبدل بموجبها مسؤولين من عهد الملك الراحل، بأسماء جديدة، وكان أكثرها إثارة للجدل ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يتولى أيضاً منصب وزير الدفاع، ما جعله محور معظم الكتابات.


تشكّل ملفات المنطقة، في سوريا واليمن ومصر، الأحجار التي يرشق بها كل طرف الطرف الآخر. فعلى سبيل المثال، تبنّى مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في "معهد واشنطن" سايمون هندرسون، في إحدى مقالاته، وصف المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي للأمير محمد بأنه "شاب عديم الخبرة". تحديداً، كان ذلك بعد بدء المملكة حربها ضد الحوثيين وقوات الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح. وخلص هندرسون إلى القول إن أي وزير دفاع، في أي بلد، لا يحقق نتيجة من حرب ما، يصبح ضحية سياسية. كما قدم استنتاجاً- سبقته استنتاجات أكثر غرابة- على أن حادثة الإعدامات الأخيرة في السعودية تمثّل تهديداً خطيراً على الاتفاق النووي مع طهران. وحرص دوماً على الكتابة ضمن خطين؛ الأول يتنبأ دائماً بـ"شقاق ملكي" داخل الأسرة الحاكمة، والثاني يطلب من الولايات المتحدة سياسة أكثر حزماً تجاه السعودية.


"لو أنني حصلت على مليون دولار عن كل تنبؤ صحيح قمت به، منذ الثورات الناصرية والانقلاب في القصر السعودي في عام 1958، حول زوال المملكة الوشيك، لكنت قد أصبحت ثرياً جداً الآن"، يقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط في "معهد واشنطن"، ومدير "منتدى فكرة" ديفيد بولوك ساخراً من المنتقدين للعلاقة بين واشنطن والرياض.


يعد رأي بولوك، على عنفه، الأكثر صراحة في الفريق الآخر. وهذا الرأي يبدو أكثر واقعية تجاه المملكة ودورها في المنطقة، خصوصاً أنه يضع السياسة الخارجية للسعودية في وضعية التناغم مع سياسة الولايات المتحدة، وهذا يكفي للحفاظ عليها ودعمها، والتأكيد على سذاجة الطرح القائل بضرورة الابتعاد عن المملكة في البحر السني المضطرب.


يشير بولوك إلى حاجة الولايات المتحدة إلى عشرة ملايين برميل نفط من السعودية يومياً. وتلك الحاجة أساس ضمان استقرار الاقتصاد العالمي. هذه الحاجة خلقت نوعاً من التشاركية الغريبة في إدارة عدد من الملفات. وكمثال على ذلك، يعدّ الدعم السعودي للنظام المصري والرئيس عبدالفتاح السيسي، المثال الأكثر غرابة، إذا ما قورن مع الدعم الذي تقدمه السعودية إلى خصوم الرئيس السوري بشار الأسد من الإسلاميين، الذين يراهم السيسي امتداداً لأقرانهم المودعين في سجونه. ذلك جرى بتوافق مع واشنطن، التي لا تتفوّه بكلام واضح حيال انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قبل نظام السيسي.


يبرر بولوك هذا النهج بالاعتماد على فرضية تقول إنه لا ضير في ذلك، طالما أن عائدات النفط السعودي تموّل في النهاية شركاء للولايات المتحدة في المنطقة. فالأنظمة المستقرة هي هدف لواشنطن، ولا يمكن تحقيقه مع شريك أكثر فهماً لهذه المعادلة من السعودية.


تنسحب هذه الوقائع على الملف السوري أيضاً. فخلال الأشهر الماضية كانت واشنطن والرياض في أعلى درجات التنسيق حول سوريا، إذ تولّت المملكة تنفيذ مقررات اتفاق المجموعة الدولية في اجتماع فيينا الثاني حول سوريا - وهو جاء بتفاهم بين موسكو وواشنطن- وجلبت السعودية أطياف المعارضة السورية، العسكرية والمسلحة، حتى أولئك الذين يتموّلون من دول إقليمية منافسة مثل تركيا، وجمعتهم بمشهد لا يصدّق داخل قاعة واحدة من أجل تحضيرهم للمحادثات في جنيف.


وإذا ما بدا موقف الرياض تجاه الأزمة السورية، في مناسبات عديدة، أكثر حدة من موقف واشنطن، إلا أن هذه الحلقة المفقودة في فهم الموقفين سرعان ما زالت خلال تطورات الأيام الماضية، عندما كان التحضير لمحادثات السلام السورية في جنيف يسابق موعد انعقادها. فخطوط الاتصال كانت مفتوحة بين الوزير عادل الجبير، ونظيره جون كيري، وعمل الوزيران وكأنهما ذراعا جسد واحد، أحاطتا بالمعارضة السورية من الجانبين وقادتاها إلى خوض المغامرة الخطيرة.


يقول بولوك في مقالة نشرها قبل نحو أسبوعين، منتقداً المقرّعين للسعودية على خلفية حادثة الإعدامات، واعتبارها مشاغبة سعودية تستهدف سياسة الولايات المتحدة: "انتشرت قصة خيالية مفادها أن أحدث التحركات السعودية أدت إلى حد ما إلى إعاقة المبادرات الدبلوماسية الأميركية الواعدة، من سوريا إلى اليمن. هذا هُرَاء".


بالفعل، أثبتت الأيام الماضية، والتحركات التي جرت بين واشنطن والرياض، لإنقاذ "جنيف-3"، أن أي حديث عن وجود اختلاف في مواقف البلدين تجاه سوريا هو هراء. لكن الغريب هذه المرة، هو اندفاع السعودية، بنهم شديد، إلى تجريب ما تم تجريبه سابقاً، لمرتين، في جنيف عامي 2012 و2014. آنذاك، ثبت أن دعم التجربتين لم يكن صائباً، وأن تحركات الإدارة الأميركية تجاه حل الأزمة غير فعالة، ولا تسير بالاتجاه الصحيح. وأن مقولة "لنختبر نوايا النظام" كان عمرها قصيراً جداً في "جنيف-2".


لماذا كان على المملكة أن تدفع المعارضة السورية لتختبر "نوايا النظام" في موقعة حساسة مثل "جنيف-3"، وهي تعلم جيداً أن السنين في سوريا لا تقاس بالأيام، بل بالسؤال: كم قتل الأسد، وكم دمّر؟ إنها مغامرة تشبه إبحار مجموعة من السوريين من تركيا إلى أوروبا.. في مركب قد يغرق.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

فادي الداهوك

فادي الداهوك

رئيس قسم عرب وعالم، تويتر: fadidahouk