آخر تحديث:08:12(بيروت)
الإثنين 13/07/2015
share

ربطات عنق "أحرار الشام"

فادي الداهوك | الإثنين 13/07/2015
شارك المقال :
  • 0

ربطات عنق "أحرار الشام" لقطة شاشة من مقطع مصور لتدريبات عسكرية أجرتها حركة "أحرار الشام" في 2014

قدمّت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في 10 يوليو/تموز، فرصة فريدة لـ"حركة أحرار الشام الإسلامية"، بنشر مقالة لمدير مكتب العلاقات الخارجية في الحركة لبيب النّحاس، حاجج فيها الإدارة الأميركية حول مفهوم "الاعتدال"، وقدّم لها عرضاً مشروطاً برحيل الأسد.

"نعتبر أنفسنا جماعة إسلامية سنية ضمن تيار الأغلبية، يقود هذه الجماعة سوريون يقاتلون من أجل السوريين. نحن نقاتل من أجل تحقيق العدالة للشعب السوري، ومع ذلك تم اتهامنا كذباً بوجود علاقات تنظيمية مع القاعدة وبتبني فكرها"، كتب النحاس.


يقدّم النحاس مظلومية حركته إلى أميركا، وينفي صلتها بالقاعدة. من غير المفهوم حقيقة إن كان الحديث عن الصلة مع القاعدة خطأ غير مقصود وردَ في مقالة النحاس، أم أنه عرضٌ لواشنطن تود الحركة من خلاله إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة بأنها تملك مرونة في تغيير توجهاتها واستعدادها لارتداء "ربطات العنق"، والتخلي عن بعض الحلفاء غير المرغوب بهم كشركاء للغرب في إدارة الصراع العسكري في سوريا، خصوصاً أن الحركة تربطها علاقة وثيقة مع "جبهة النصرة"، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، من خلال تحالف "جيش الفتح" الذي يجمعهما.


في سياق حديثه عن الارتباط مع القاعدة، كتَب النحاس "هذه الاتهامات أبعد ما يكون عن الحقيقة. نحن نؤمن أن سوريا تحتاج إلى مشروع وطني جامع لا يمكن أن تتحكم به أو تنجزه جهة أو جماعة واحدة، ولا يجب أن يرتبط الحل بإيديولوجيا واحدة". لكن هناك ما يدحض هذا الكلام.


تشكيل "الجبهة الإسلامية"


في النصف الثاني من العام 2013، قادت حركة أحرار الشام" (كتائب أحرار الشام سابقاً) مسعىً لتشكيل تحالف عسكري يجمع الفصائل السلفية الجهادية في سوريا. وفي 22 كانون الأول/ديسمبر 2013 حققت الحركة مرادها، فتم الإعلان عن تشكيل "الجبهة الإسلامية" وهي تضم  "كتائب أحرار الشام (في كافة المحافظات السورية)، كتائب الإيمان المقاتلة (في محافظة دمشق وريفها)، كتيبة الحمزة بن عبد المطلب (في محافظة دمشق وريفها)، كتيبة صقور الإسلام (في محافظة دمشق وريفها)، سرايا المهام الخاصة (في محافظة دمشق وريفها)، لواء الحق (في محافظة حمص وريفها)، حركة الفجر الإسلامية (في محافظة حلب وريفها)، كتيبة مصعب بن عمير (في ريف حلب)، جماعة الطليعة الإسلامية (في ريف إدلب)، كتائب أنصار الشام (في محافظة اللاذقية وريفها)، جيش التوحيد (في محافظة دير الزور وريفها)"، وانضم "جيش الإسلام" الذي يقوده زهران علوش إلى هذا التحالف لاحقاً.


اختصرت "الجبهة الإسلامية" رؤيتها بجملة واحدة وردت في ميثاق أصدرته، قالت فيه إنها تريد "بناء مجتمع إسلامي حضاري في سوريا، يُحكم بشرع الله الذي ارتضاه لهم". وورد في البند الأول من الفصل الرابع من الميثاق، في علاقة الجبهة مع مكونات المجتمع السوري من غير المسلمين، أن "الإسلام هو دين الدولة، وهو المصدر الرئيس والوحيد للتشريع، وسنعمل بكافة الأساليب الشرعية الممكنة على أن لا يكون في البلاد أي قانون يخالف الثوابت المعتمدة في الشريعة الإسلامية".


الإعلان عن "ميثاق الشرف الثوري"


سريعاً، مع الأشهر الأولى من العام 2014، أخذ اسم "الجبهة الإسلامية" يخفت، وتزامن ذلك مع حدث بارز كان بمثابة تحوّل كبير في سوريا، تمثّل بإبرام اتفاق إخلاء حمص، في 7 أيار/مايو. "الجبهة الإسلامية" كانت الطرف الذي فاوض إيران بشكل مباشر قبل توقيع الاتفاق، وكشف عن ذلك رئيس الهيئة السياسية للجبهة، قائد حركة "أحرار الشام" حسان عبود، في مقابلة على قناة الجزيرة في 26 أيار/مايو 2014 أجراها الإعلامي تيسير علّوني.


في تلك المقابلة أيضاً، تحدث عبّود عن "ميثاق الشرف الثوري"، وهو ميثاق أصدرته فصائل إسلامية من ضمنها تحالف "الجبهة الإسلامية" بتاريخ 17 أيار/مايو 2014. الميثاق كان مناسبة جديدة بالنسبة إلى الحركة للتأكيد على قابليتها للتغيير. وهنا لابد من ذكر "الجبهة الجنوبية" التابعة للجيش السوري الحر، حيث تم الإعلان عن تشكيلها قبل شهرين من إعلان الفصائل الإسلامية عن الميثاق الثوري.


تمكّنت "الجبهة الجنوبية" من أسر قلوب أعداء الأسد الغربيين، حيث تلقّت ثناءً أميركيا تتطور لاحقاً إلى دعم واسع مما يُعرف باسم غرفة عمليات "موك"، التي تتخذ من الأردن مقرّاً لها، وتقدم الدعم اللوجستي والعسكري، المشروط، إلى فصائل الجبهة.

تنبّهت الفصائل الإسلامية من توجه واشنطن إلى المنطقة الجنوبية وتشكيلها حلفاً مع "الجبهة الجنوبية"، فبدأت بطرق أبواب القوى الإقليمية والغربية لتقديم أوراق اعتمادها، وبالطبع فإن الحركة هي من تقود مثل هذه التوجّهات. ولتحقيق ذلك، غيّرت "الجبهة الإسلامية-أحرار الشام" رؤيتها في فرض "الشريعة الإسلامية" على المجتمع السوري في ميثاق تشكيل "الجبهة الإسلامية"، إلى "إقامة دولة العدل والقانون والحريات" كما ورد في "ميثاق الشرف الثوري".


بعد 5 أشهر من توقيع "أحرار الشام" على "ميثاق الشرف الثوري"، اغتيل قادة الصف الأول للحركة بتفجير مقرّ لهم أثناء اجتماع في ريف إدلب، وعلى رأس من خسرتهم الحركة كان قائدها حسّان عبود. هذه العملية كانت بمثابة إعلان نهاية "الجبهة الإسلامية" وعهد حسّان عبود وفريقه المنفتح على التغيير في صفوف "أحرار الشام" و"الجبهة الإسلامية"، حيث حملت الفترة اللاحقة عودة الحركة إلى الأفكار التي تأسست عليها، وأقامت شراكة مع "جبهة النصرة" من خلال "جيش الفتح" بإدلب.


قبل عملية الاغتيال، كان للحركة أخصام كثر، في مقدّمتهم تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي خاض معارك عنيفة معها. وكذلك، كان لها خلاف مع "جبهة النصرة"، خصوصاً بعد توقيع الحركة على "ميثاق الشرف الثوري"، إذ اتهمت "جبهة النصرة" الموقعين على الميثاق، في بيان، بأنهم غلّبوا "روح الأخوة الوطنية وروح المواطنة والانتماء إلى التراب والوطن على الأخوة الإيمانية". وأضاف البيان "نعلنها بكل صراحة بأننا لن نقبل بأية دولة مدنية أو ديمقراطية أو أية دولة لا تقوم على حاكمية الشريعة". ذلك الاتهام ردّ عليه حسّان عبود بتغريدة على تويتر، في 21 أيار/مايو 2014، قال فيها: "إن قيام دولة إسلامية عادلة راشدة هو هدف إستراتيجي غائي عندنا. ومن زعم أننا فتنا في ديننا وبعنا ذممنا بعرض من الدنيا فهذه #دعدشة_نعرفها_من_أخرق".


تجديد الانفتاح على المجتمع الدولي


من الواضح أنه كان في الحركة جناحان متصارعان على قرارها وتوجهاتها، ولقوىً إقليمية يدٌ في ذلك. وبالعودة إلى مقالة النّحاس في "واشنطن بوست"، يبدو أن تغييراً جوهرياً حصل مجدداً، أحيا مساعي عبّود السابقة، أو على الأقل دفع الجناح الرافض لنزع ثوب الحركة المتشدد، إلى الاقتناع بصحّة ما كان يخطط له الفريق الذي تمت تصفيته بعملية الاغتيال، وهذا يقود أيضاً إلى البحث عن دور تركي في الدفع بهذا الاتجاه، بحكم العلاقة الوثيقة التي تربط الطرفين، إذ تتخذ الحركة من الأراضي التركية مقراً لمكاتبها، وكذلك تسيطر على معبر باب الهوى الحدودي بين سوريا وتركيا.


يضيف النحّاس في مقالته "على الرغم من انعدام تواصلٍ حقيقيٍ من طرف المجتمع الدولي، إلا أننا لا نزال ملتزمين بالحوار معه. القضايا التي تحتاج النقاش هي كيفية إنهاء حكم الأسد، وكيف يمكن هزيمة تنظيم الدولة، وكيف يمكن أن نضمن حكومة مستقرة تمثل السوريين في دمشق، من شأنها أن تضع سوريا على طريق السلام والتصالح والتعافي الاقتصادي، بينما نمنع تفكك الدولة". هذا الاشتراط حول مصير الأسد بات رسائل متكررة في الآونة الأخيرة إلى واشنطن، حيث جاء سابقاً على لسان أبو عزام الأنصاري، وهو من المكتب السياسي للحركة، في مقابلة على قناة الجزيرة في أبريل/نيسان الماضي مع الإعلامي أحمد منصور، حين قال "الموقف الأميركي للأسف إلى الآن ما زال ثابتاً على اعتبار الأسد جُزء من الحل (..) بالنسبة لنا الأسد أساس المُشكلة".


وبينما لم يصدر موقف "جبهة النصرة" بعد من هذا الطور الجديد الذي تعيشه "أحرار الشام"، يبدو أن على الحركة تقديم أكثر من مقال في "واشنطن بوست"، وربما تبريرات عن حوادث كثيرة حصلت في السابق، حال اغتيال عبّود دون تقديمها، أهمها مسألة استيلائها على مقرات الجيش الحر في معبر باب الهوى والمساعدات الأميركية التي كانت تمر من خلاله إلى هيئة أركان الجيش الحر، ما دفع واشنطن وبريطانيا بعدها إلى الانصراف عن دعم الجبهات الشمالية ووقف المساعدات لها بحسب ما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية في ديسمبر/كانون الأول 2013 عن مسؤولين أميركيين. لكن أياً يكن، لابد من الاعتراف بدهاء "أحرار الشام"، التي تثبت كلّ يوم أنها تعرف من أين "تؤكل" الثورة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها