السبت 2015/04/11

آخر تحديث: 22:49 (بيروت)

الاتفاق النووي يعيد طرح مشروع يجعل العرب فاعلاً إقليميّاً

الاتفاق النووي يعيد طرح مشروع يجعل العرب فاعلاً إقليميّاً
بشارة: اتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه بين إيران والقوى الكبرى هو تتويج لصيرورة تحولات تاريخية دولية وإقليمية
increase حجم الخط decrease

حذّر الدكتور عزمي بشارة في محاضرته الافتتاحية لندوة عن الاتفاق النووي الإيراني وتداعياته الإقليمية والدولية، من أن العرب يخطئون كثيراً إذا اعتبروا الاتفاق النووي الإيراني مسألة تفاصيل لم يُتفق عليها بعد، أو إذا اعتبروا أنفسهم بنداً على قائمة الأضرار الجانبيّة للعلاقة الأميركيّة-الإيرانيّة. فالتحدي الكبير هو تحوّل العرب إلى الذات الرئيسية الفاعلة في تاريخهم على الأقل، وهذا غير ممكن من دون دول إقليميّة قويّة أو اتحاد دول، وأي منها غير ممكن بدون إصلاح في البنى السياسيّة لأنظمة الحكم العربيّة.

ورأى الدكتور عزمي بشارة في افتتاحه للندوة التي نظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، السبت، أن اتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه بين إيران والقوى الكبرى هو تتويج لصيرورة تحولات تاريخية دولية وإقليمية. ومن أبرز هذه التحوّلات تراجع الإدارة الأميركية عن التدخل في الخارج، وصعود روسيا وتحالفها مع الديكتاتوريات ضد التدخل الأجنبي، وصعود الشعوب العربية كقوة على مسرح التاريخ مطالبة بالحرية والكرامة وبنظام حكم ديموقراطي. وقد تمدّدت إيران إقليمياً عبر تقاطع مصالح موضوعي مع الولايات المتحدة في أفغانستان 2001، وفي العراق 2003؛ ومع نهوض الشعوب العربيّة الثوري في عام 2011 لم تقف إيران مع تطلعات الشعوب بل استغلّت هشاشة الدول العربيّة لتوسيع نفوذها.

ومن ناحيةٍ أخرى فإن الدّول العربيّة التي تخشى هذا التمدّد الإيراني غير قادرة على طرح مشروع دولة إقليميّة أو تعاون دول وطنيّة قادرة للتصدي للمشروع الإيراني، ليس خارجيّاً فحسب، بل أيضاً على مستوى تماسك مجتمعاتها وشعوبها بالجمع بين التنمية وحقوق المواطن.


وأكدّ الدكتور عزمي أنه يجب الحذر من بعض التحليلات التي تفرق بين مواقف الإصلاحيين والمحافظين الإيرانيين من العلاقة مع العرب. وأضاف قائلا: "ليس الإصلاحيون محبين للعرب خلافاً للمحافظين، ولا هم أقل تمسّكاً بمصالح إيران الجيوستراتيجيّة. على العكس تماماً، إنّهم يرون مصالح إيران الجيوستراتيجيّة كدولة إقليمية في حالة تفاهم وتوزيع أدوار مع الغرب، وينفرون من التدخّل الإيراني في الشؤون العربيّة لناحية أنّه يؤدي إلى تداخل مصالح بين إيران وبين العرب في مواجهة إسرائيل والغرب". وخلص إلى القول إن انفتاح إيران على الغرب ليس مؤامرة ضدّ العرب، مثلما لم يكن دعم إيران للمقاومة الفلسطينيّة أو اللبنانية تآمراً على إسرائيل. هذا الانفتاح هو نتاج ديناميكيات اجتماعيّة سياسيّة في إيران.


وأوضح الدكتور عزمي بشارة أن أحد العوامل المهمّة التي عرّضت الحراك الشعبي العربي إلى انتكاسة هو نفسه الذي ساعد إيران في التخلص من ورطة الثورات العربية، وذلك بأن جعلها تبدو في صفٍّ واحد مع الإجماع الدّولي. وهذا العامل هو التطرّف الديني المتمثّل في السلفيّة الجهاديّة التي تردّ على تمدّدٍ إيرانيٍّ طائفيّ الطابع بدعاية طائفيّة صريحة وخطاب تكفيري وعنفٍ ضدَّ المدنيين. ومثلما وجدت إيران نفسها مع الولايات المتحدة في تحالفٍ ضدّ طالبان، ها هي تجد نفسها الآن في تحالفٍ شبيه، ولكنه أكثر صراحة ووضوحا ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة. ولاحظ أن التمدد الإيراني في الإقليم منذ عام 2011 ظل في حالة دفاعٍ عن النفس حتى نشوء تنظيم الدولة الإسلاميّة والتنظيمات المتطرّفة الأخرى.


ودعا الدكتور عزمي بشارة العرب إلى الابتعاد عن وضع توقعات كثيرة في الإدارة الأميركية لكي لا يكونوا بندا في الخسائر الجانبية للتقارب الإيراني الغربي. وأوضح أن خطاب أوباما بعد الاتفاق يبدي احتراماً لإيران وتقديراً لها كدولة إقليميّة يمكن التوصّل إلى اتفاقيات معها وحتى إلى مصالح مشتركة مستقبلاًن وهو ما يشير إلى أن المصلحة الأميركيّة في وجود نديّة في التعامل مع إيران، في حين لا توجد أي مصلحة أميركيّة للتعامل بنديّة مع العرب.


تداعيات إقليمية


في الجلسة الأولى للندوة التي خصصت لمناقشة الانعكاسات الإقليمية والدولية للاتفاق النووي الإيراني، قدّم الدكتور عماد خدوري، العالم النووي العراقي، موجزا تقنيا عن الاتفاق النووي ضمّنه شرحا مبسّطاً عن النواحي التقنية للمشروع النووي الإيراني منذ نشأته في عهد الشاه في عام 1967، وقد أسعف شرح الكثير من الحضور غير المختص في استيعاب أفضل لطبيعة البرنامج الإيراني وشكّل خلفية جيدة للخوض في المواضيع الأخرى التي تضمنها برنامج جلسات الندوة.


ورأى خدوري أن الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة 5+1 يثلم ادعاءها سيادتها على أنشطتها النووية وهذا ما يظهر أساسا في مؤشرين أولهما موافقتها على أن تتولى روسيا تشييد أي مفاعلات إيرانية مستقبلًا وهو ما يعني التنازل عن مبدأ الاعتماد على القدرات المحلية وتطويرها، والمؤشر الثاني هو قبولها بتفكيك مفاعل أراك وتدميره.


من جانبه حلل الدكتور عبد الوهاب القصّاب، الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، انعكاسات الاتفاق النووي الإيراني على التشكيل الجيوستراتيجي في المشرق العربي، وأكد على أن هناك سيناريوهين ممكنين يرتبطان بالطريقة التي سيعيد بها النظام الإيراني توجيه جهده وكذا بنتائج عاصفة الحزم. وأوضح القصاب أن السيناريو الجيد يتوقع أن تصل "عاصفة الحزم" إلى تحقيق نتائجها النهائية وإعادة الشرعية إلى اليمن، وهو ما سيجعل الطرف الإيراني يدرك أنه ليس من مصلحته الذهاب نحو صراع إقليمي في هذا الوضع لأن هناك طرفاً عربياً يثبت أنه موجود ورقم مهم في المنطقة. أما السيناريو الأسوأ فيتوقع أن يؤدي الاتفاق إلى تفرّغ إيران لإعادة بناء قوتها التسليحية، في مقابل تخلي السعودية والدول المشتركة في "عاصفة الحزم" عن المضي بالعملية إلى غاية تحقيق أهدافها الكاملة، وهو ما سيعطي إشارة عن عجز الطرف العربي عن فرض "التوافق بالردع" ويفسح المجال أمام إيران لتدخل أوسع في المجال العربي. ويرى عبد الوهاب القصاب أن "عاصفة الحزم" يجب أن تحقق أهدافها كاملة حتى تثبت أن الطرف العربي فاعل مهم في المنطقة بإمكانه ردع التمدد الإيراني.


قدّر الدكتور ممدوح سلامة الخبير السابق لدى الوكالة الدولية للطاقة والأستاذ في اقتصاديات الطاقة، أنّ الاتفاق النووي الإيراني لن يكون له تأثير كبير في السوق النفطية العالمية وأن رفع العقوبات عن صادرات إيران النفطية سيكون له تأثير محدود في الأسعار نحو الهبوط، ولكن يتوقع أن ترتفع الأسعار في النصف الثاني من العام 2015 من مستواها الحالي عند 57 دولارا للبرميل إلى نحو 75 دولارا للبرميل، وأن النفط سيسترجع معظم خسائره خلال العام 2016.


واستند سلامة في توقعاته إلى تحليل مزدوج لحقيقة انهيار أسعار النفط ووضع السوق النفطية من جهة، وحقيقة الاحتياطيات النفطية الإيرانية وقدرات إيران الإنتاجية من جهة أخرى. ويرى أن فائض عرض السوق المقدر بنحو 1.5 مليون برميل يوميا وتباطؤ الاقتصاد الصيني واقتصادات أوربا الكبيرة ليسا كفيلين كعاملين بتفسير انهيار الأسعار من 100 دولار إلى مستوياتها الحالية، إنما هناك تواطؤا سياسيا وراء هذا التراجع هدفه التأثير على اقتصادَي كل من روسيا وإيران، وبانتهاء التأثير السياسي ستستعيد السوق توازنها الخاضع للعرض والطلب. أما بالنسبة إلى النفط الإيراني، فسلامة يرى أن الاحتياطيات المعلنة مبالغ جدا فيها. فهي لا تبلغ 157 مليار برميل كما تدّعي إيران، وإنما هي في حدود 36 مليار برميل بتقديرات مستقلة، أو حتى 30 مليار برميل فقط بحسب عمليات حسابية تتبعت تاريخ النفط الإيراني أجراها ممدوح سلامة نفسه. والمسألة الثانية أن إيران قد بلغت ذروة إنتاجها النفطي في السبعينيات من القرن الماضي ومنذ ذلك الحين وهي في انحدار، إذ تعجز حتى عن إنتاج حصتها في الأوبك كاملة المقدرة بـ4.2 مليون برميل يومياً فيما لا يتجاوز إنتاجها في أحسن الأحوال 3 مليون برميل يوميا.


وقد ثار نقاش مهم في ختام الجلسة الأولى من الندوة، ظهر فيه رأيان مختلفان بخصوص سعي إيران لامتلاك سلاح نووي على الرغم من توقيعها الاتفاق مع الدول الغربية، فقد رأى الدكتور ممدوح سلامة أن إيران ستصنّع أسلحة نووية في الأخير وأن السعودية ستضطر لموازنة ذلك بشراء أسلحة نووية جاهزة من باكستان وكوريا الشمالية، في المقابل يؤكد الدكتور عماد خدوري أن إيران قد حققت كل أهدافها من البرنامج النووي ولا تسعى إلى أن تمتلك السلاح النووي وأكدّت التزام برنامجها بالاستخدامات السلمية، كما أن هنالك عاملا آخر هو صدور فتوى من الخميني في ثمانينات القرن الماضي تحرّم امتلاك السلاح النووي لدى الشيعة وقد أكدتها فتوى أخرى قبل سنوات قليلة.


غياب رؤية عربية للاتفاق


تأسف المتحدثون في الجلسة الثانية من الندوة والتي خصصت للمواقف من الاتفاق النووي الإيراني، عن غياب مشروع عربي للنهوض بالواقع العربي يستجيب لتطلعات الشعوب العربية ولا يكون محض رد فعل على المشاريع الإقليمية التي تشكل تهديدا. وذهب الدكتور خالد الدخيل، الباحث في علم الاجتماع السياسي، في ورقته التي ألقاها نيابة عنه الأستاذ سحيم آل ثاني، إلى أن الدول العربية لم تستطع حتى الآن أن تبني رؤية واضحة من الاتفاق النووي الإيراني سواء على المستوى الوطني أو على مستوى الجامعة العربية وهناك تفاوت كبير في تقييم الاتفاق بين الدول العربية. وأكد أن العرب يجب أن يستفيدوا من منع الاتفاق إيران من تصنيع السلاح النووي لفترة 10 إلى 15 عاماً، وهي مدة كافية ليبني العرب قدراتهم ويطوروا بنية تحتية قوية ليصبحوا جاهزين لتصنيع سلاح نووي إذا دعت الضرورة. ولكن يؤكد أن تحقيق هذه النقلة لن يتم من دون وجود مشروع عربين مشددا على أن الحاجة إلى هذا المشروع لا يفرضها وجود مشروع إيراني مهدد ولكنه ضرورة داخلية. وأردف بأن هذا المشروع يجب أن يؤسس دولة مدنية جامعة وديمقراطية غير مقتدية بنموذج الدولة الطائفية الإيراني.


قدّم الباحث التركي بيرول باسكان رؤية تركيا للاتفاق النووي الإيراني، موضحاً أن تركيا سعت من أجل حل سلمي للملف النووي الإيراني بدأ بتوسطها سنة 2008 من أجل الوصول إلى اتفاق يسمح بحصول إيران على يورانيوم مخصب بنسبة 20 في المئة من البرازيل بكمية محدودة لتشغيل مفاعل الأبحاث في جامعة طهران مقابل تخليها عن اليورانيوم الذي خصبتها في حينها بنسبة 5 في المئة. ويرى الباحث أن هذا الموقف التركي يعززه تخوف الحزب الحاكم في تركيا من أن اندلاع نزاع مسلح بسبب الملف النووي الإيراني سيعيد الجيش التركي في عملية صناعة القرار الداخلي بعدما سعى الحزب لسنوات من أجل استبعاد الجيش من القرار.


وأبرز بيرول باسكان عوامل اقتصادية أيضا جعلت تركيا أقرب إلى مساعدة إيران على الخروج من مأزق الملف النووي والوصول إلى اتفاق. وذكر في هذا الصدد أن السوق الإيرانية أهم بالنسبة إلى تركيا من سوق دول الخليج أو السوق العربية عموما، ففيها فرص أفضل ومنافسة أقل من الشركات الغربية الكبرى. كما أن مشروع تركيا في أن تصبح ممرا مهما للطاقة بين آسيا وأوروبا يجعل لإيران موقعاً مهماً في هذا المشروع الذي لن يتحقق إن لم تكن إيران شريكا فيه.


حلّل الدكتور محمود محارب، الباحث المشارك في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الموقف الإسرائيلي من الاتفاق النووي، مشيرا إلى أن الضجة التي يثيرها بنيامين نتنياهو وحكومته ضد الاتفاق باعتباره خطرا على وجود إسرائيل، لا تغطي على وجود أصوات أخرى في إسرائيل ممثلة في أكاديميين ومثقفين وضباط جيش متقاعدين يفصحون عادة عن موقف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، هؤلاء كلهم يدعون إلى تفادي التهويل والتهوين من تأثير هذا الاتفاق على إسرائيل.


وقد تواصلت أعمال ندوة " الاتفاق النووي الإيراني وتداعياته الإقليمية والدولية" التي عقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات طوال يوم كامل، إذ عقدت جلستان اثنتان في المساء خصصت الأولى لموضوع " تداعيات الاتفاق تجاه أزمات المنطقة" والثانية حول "الاتفاق النووي وتداعياته في الداخل الإيراني".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها