الجمعة 18/04/2014     آخر تحديث : 07:23 م
وزير الداخلية الجزائرية يعلن فوز عبد العزيز بوتفليقة بولاية رئاسية رابعة
الكيماوي..قصة قاتل
أحمد عمر السبت 24/08/2013، آخر تحديث 12:36 ص
 الكيماوي.. قصة قاتل 
أحمد عمر
 هذه محاولة تفسير سريعة  لتطيّر الإنسان بعامة، ومنظمات ومؤسسات المجتمع المدني والحقوقي الدولي والغربي خاصة، وتجريمه للأسلحة المحرمة دولياً، الكيماوي منها طبعاً. الأسلحة الأخرى التي تفجر الدم ، حلال أو.. مندوبة. الحرب لابد منها. فالضد يظهر حسنه الضد. الكيمياء كلمة عربية، كما يذهب الباحث العلامة علي فهمي خشيم في كتابه "رحلة الكلمات"، وهي تصحيف لاتيني لكلمة سيمياء. السيماء هي علم تحويل الهيئات والأشكال منها : تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة، الكيمياء سلاح مطور من أداة القتل الصلبة الفردية إلى أداة "ناعمة" وشاملة عطر الموت يقوم بإرسال شهداء إلى الجنة بالجملة لا بالمفرق. القتل الكيماوي قتل فيه غش، فهو قتل، غير تام، يوهمنا أنّ الجسد نائم. سرقت منه الروح خلسة. الغش ممنوع. القتل الجيد الفيزيائي هو القتل الأحمر. العار الأحمر يجب أن يرى نازفا من الضحية حتى يرتدع القاتل أو يرعوي. الدم عقوبة أو إنذار أو "بطاقة حمراء". لا يهدم السلاح الكيماوي الأسود بنية الإنسان، ويحافظ على بنية المكان. فظاعة السلاح "العنصرية" أنها تفضل المتاع والشيء والمادة على المستمتع به ،الإنسان. ظاهرياً يمكن أن يكون غضب الإنسان على السلاح هو التدمير الشامل الذي يقتل الإنسان والنبات والحيوان، ويميل الضمير الغربي المعاصر إلى الرحمة بالحيوان أكثر من الإنسان غير الأوربي . على سبيل المثال: سفينة مهاجرين إلى الشمال، تغص بالراكبين، فيمر بها الأوربيون ويلتقطون الصور التذكارية مع موتى مؤجلين ويتابعون الإبحار! الحيوان مدعاة للرحمة ربما لأن الحيوان أخرس، لايستطيع أن يقاوم باعتصام أو مظاهرة ، أو أن الغربي "وجودي"، يعتبر أن "الجحيم هو الآخر" ، أو لأنه يضمر الصراع الأزلي بين قابيل الأشقر مع هابيل الأسمر. أظن أني قرأت في صفحة الكاتب ياسين الحاج صالح هجاء "لطائفية الغرب"، الحكم شائع في كتاباته عن نفاق الغرب، لكن وسمه بالطائفية بالنسبة لي جديدة، الطائفية تصحيف حداثي لوصف الصليبية التي تشيع في الخطاب الإسلامي. البيان الناعم الصادر عن مجلس الأمن بيان يندد ويستنكر، والذي بات من كثرة المجالس الدوارس، والمؤتمرات الصحفية تعني ؛ يحيي ويبارك. القتل الشامل في رابعة مصر وسوريا عموماً، له حوافز وروائز فقد جعل إسرائيل القبيحة العدوة، حسناء مسالمة ومسطرة لقياس الهمجية. الغرب يمكن أن يغدو محُسِناً، بفضل الكيماوي .ويمكن أن يرسل لنا كمامات تجعلنا  نشبه الوحوش! قصة "الخط الأحمر" باتت قصة تشبه قصة الراعي الكذاب. هل ندعو إلى تدخل البرابرة المهندمين، كما فعلوا في العراق. طلب التدخل ، أو رجاء الاستعمار، هو استغاثة المستجير من النار بالرمضاء أو العكس، وربما في حقيقته هو طلب انضمام إلى الاتحاد الأوربي! يعتقد كاتب السطور أنّ قصة العطر ( قصة قاتل) لباتريك زوسكيند واحدة من أجمل روايات القرن العشرين على الإطلاق، وتكاد تنتسب إلى الكلاسيكيات السردية مثل أحدب نوتردام والكونت دي مونت كريستو و البؤساء... مع أن بنيتها الحكائية ، شائعة إلى درجة النمط في أفلام الرعب والإثارة الهوليودية، فهي يمكن أن تصنف ضمن قصة " القتل التسلسلي" النمطية. تلخيص الحبكة النمطية: وحش عنين جنسياً، يقتل النساء أو العذراوات، أو أي عاشقين. الجنس والقتل، متلازمان، وهما توأمان في حكاية المدينة . القاتل لا يقدر على فعل خلق الحياة، أو هو محروم منه، فيقوم بفعل القتل انتقاما.ً يمكن اعتبار رواية العطر الفريدة قصة بحث عن الأب، لأنّ الأم قلما تترك ابنها، الأب هو الذي يقذف نطفته في رحم امرأة ويرحل. لكنها لأول مرة، في نمط قصص الإثارة، التي  تتجاوز  فيها عتبة دراما التشويق  إلى فضاءات وجودية عميقة. جان باتيسيت غرنوي، اللقيط الذي ولد لعاهرة تم إعدامها فوراً في سوق السمك، بالمقصلة في الرواية، وشنقا في الفلم، ليس وحشا كاملاً ، إنه بشر بأنف كلب، يتكلم بلغة الرائحة مع الآخرين، والرائحة من الروح، والروح من أمر ربي، إحياء وإماتة. الكيماوي قتل جماعي، ومشاكلة لفعل الملك اسرافيل! يعتبر الكاتب مات روبير في كتاب "أصول الرواية ورواية الأصول" : أن كل رواية عظيمة تتضمن بحثاً عن الأب، ويذهب في العدّ والإحصاء: موسى، المسيح، أوديب.. ظاهرياً هكذا يبدو للعين المجردة، ربما تتضمن رحلة العظمة بحثاً عن الذات، أو بحثاً عن الله، الراعي الأول، فالخلق ، بالتعبير الإسلامي كلهم عيال الله .. نفى ميشيل كيلو أن تكون الثورة السورية قتلاً للأب، وفي رواية العطر القاتل الجارية الآن في الغوطة، يبحث القاتل عن بنوة الشعب وأبوته، فكل أب يغدو ابنا عندما يعود إلى طور الكهولة العمرية أو الكهولة السياسية..القاتل الدكتاتور طفل كبير ، اعتاد رضاعة الهتاف بالروح والدم من أبيه الشعب، وأدمن  مع الجماهير لعبة الأب والأبناء، واستعبادهم .. وهاهو يستخدم العطر لإجبارنا على "حبه" .. ونكاد نفعل، من أثر العطر القاتل ، كما فعل الإقطاعي ريشي والد الحسناء لورا ، الضحية الأخيرة التي قتلها غرنوي . ففي المشهد الأهم في الرواية يبتكر غرنوي عطره المعجز، و يخرج إلى منصة الاعدام ، ويسحر جميع الحاضرين، الحاكم ، والقساوسة، والجلاد، بعطر الحب، ويغرق الجميع في سفاح جماعي، كأنما يقول : أمي زانية، سأجعلكم كلكم زناة . ينحني والد الضحية الذي كان حاقدا عليه وعاقدا العزم على قتله بنفسه، مسحوراً على قدمي قاتل فلذة كبده، قائلا : أنا آسف يابني ،أنت ملاك. ظلمناك. اليتم ، الزنا، واجبات الفرد على الجماعة... ذلك هو البعد الأخلاقي الديني في الرواية. غرنوي ولد في سوق سمك. والسمك من ذوات الدم البارد، يموت من غير نزيف، وهو حلال إسلاميا مع الجراد الميت. كنا نعيش سابقا بكمامات غير مرئية تقينا من شر فلتات اللسان ، الآن بعد شمّ عطر الطاغية، نكاد ننحني على قدم غرنوي ونقول : أرجوك ، سامحنا. اقتلنا ولكن ليس بالكيماوي. أما الغرب فقد يتبرع لنا بغلاصم ويستمتع بمشهد السمك الطافي على سطح التاريخ، ليثبت المرة تلو المرة نظرية فيتفوغل في أنّ الاستبداد "إيزو" شرقي.
 
شارك في التعليق