الاربعاء 16/04/2014     آخر تحديث : 06:02 م
سهرة كذّبَت نَعي الشِّعر
حسن داوود الثلاثاء 16/04/2013، آخر تحديث 02:29 م
 تأخّر بدء العروض نحو ساعتين كاملتين. كانت مَن بدت لنا المشرفة على تنظيم تلك الأمسية في "زيكو هاوس" قد قالت لنا، بعد انقضاء أربعين دقيقة على الثامنة والنصف، وهو الموعد المقرّر للحضور، أنّ علينا أن ننتظر ساعة أخرى "نبدأ من بعدها". ونحن بقينا، جالسين منتظرين. ربما لأنّ مكان الأمسية يتيح ذلك، حيث المقاعد والطاولات والشراب الذي يقّدمه الرجل الأربعيني على البار. ثمّ أنّ من كانوا قد وصلوا من المنظّمين والمشاركين، متنقّلين بين المسرح القليل المساحة والطاولة التي جعلوها مكان تحلّقهم، مؤدّين بروفات مستمرّة على الصوت، وكذلك حركتهم الدائبة دخولا وخروجا إلى الفسحة البرّانيّة التي يُسمح فيها التدخين، ألهونا عن عدّ الدقائق والتحديق المستمّر بالساعات. كان يمكن اعتبار ما يقومون نصف أداء. أو مقدّمات مفيدة لمعرفة ماذا سنسمع ونرى. ذاك أنّ زميلتنا نضال، فيما هي تخبرني عن مكان الأمسية وزمانها، لم تكن واضحة تماما في ما له علاقة بالعروض التي ستقدّم. لكن ما تخيّلته هو ما قاله لي يوسف بزّي مرّة عن تلك الأمسيات التي يشترك في إحيائها شبّان في المرحلة الثانويّة أو الجامعيّة. قال يوسف إنّهم يتناوبون على القراءة، حيث لا منبر ولا ميكروفون، ويتلون أنماطا مختلفة من الشعر، أو مما يحسبونه شعرا، أو ربّما مما صار إليه الشعر، باللغة الإنكليزيّة أو العربيّة، وبعضهم يقرأ نصوصه من هاتفه، وليس من ورقة أو أوراق، على ما كان يفعل الجيل أو الجيلان اللذان سبقاهم إلى حبّ الشعر.
بعد تأخّر أكمل الساعتين وقف أحدهم ليقول بأنّنا سنبدأ الآن. الإعتذار عن التأخير، الذي لم تُبذل له كلمات كثيرة على أيّ حال، لم يكن ضروريا إذ، في ما عدانا، نحن الأربعة الجالسين على طاولة الزاوية تلك، كان الآخرون جميعا من "أهل البيت" كما يُقال. وهم قدموا إلى سهرة يتخللّها قصائد وعرض أفلام وأنواع أخرى من الفنون المشهديّة والتمثيليّة. أي أّنّهم، في ما بدا لنا، سيبقون بعد انتهاء القصائد والعروض مستكملين سهرتهم التي قد تستمرّ لوقت متأخّر. ومن الدلائل على ذلك مثلا إنفتاح الباب ودخول ساهرين جدد، حتى بعد أن تعدّى الوقت الحادية عشرة.
على المسرح الضيّق  الذي جرى تجهيزه بشاشة لعرض الأفلام وأجهزة للصوت، كما في الأسفل، حيث اقتعد أكثر الحضور الأرض، كان الكلام جاريا أكثره باللغة الإنكليزية، وربما كان بين الحضور شخص أو شخصان أجنبيّان حقا، بل إنّ إحدى المشاركات في إلقاء الشعر كانت أميركيّة كما تراءى لي. لكن، في كلّ حال، كان الآخرون، في غالبيتّهم، غير بعيدين عن أن يكونوا نصف لبنانيين نصف أجانب، إذ كان الكلام المحلّي يتخلّل الكلام الإنكليزي. ثمّ أنّ مَن بدت لنا منظّمة الحفل، أو أكثر المهتمّات بتنظيمه، ذكرت، قبل عرضها للفيلم الذي أنجزته، في وقت قياسي، عن جمال كوكب الأرض، أنّها دائمة التنقّل والسفر. أما الفيلم فمأخوذة صوره المتتابعة من الفضاء الخارجي، وذلك بعد الإستعانة ب"غوغل إرث".
الفيلم الثاني كان، فيما يبدو لي، ينقل تشكّلات صوريّة شعاعيّة أو مقطعيّة للدماغ البشري (؟). أما الفيلم الثالث فاستمّر لعشرين دقيقة جامعا بين انفراد امرأة واتصالها أو تماسّها، في مشاهد أخرى، مع رجل، فيما، لغرض ينبغي التفكير مليّا فيه، كثيرا ما جرى نقل أشكال بنائيّة هندسيّة غير مألوفة التصاميم.
بعض الشعر العربي، كما نعرفه، كان حاضرا في الأمسية. فكّرت أنّ ما كتبه شعراء الحداثة الذين سبقوا ما زال صامدا في هذا التحوّل الثقافي واللغوي والحياتي للمشاركين. إثنان ممن اعتلوا المسرح لقراءة الشعر بدوا منتسبين إلى زمن الشعر الذي نقرأه في الصحف والملاحق الثقافيّة، خصوصا منه ذلك المتشكّل من مقطوعات صغيرة تقترب أحيانا من شعر الهايكو. وقد فرض الشعر المُلقى بالعربيّة شكل إلقائه المألوف لدى الأجيال التي سبقت، هذا فيما من ألقوا بالإنكليزية كانوا أكثر مرحا وتجديدا وخُلوّا ممّا يعرف في أوساط الشعراء بالكلام الكبير. أحد المشاركين، بالإنكليزية، كان يحمل بيده مكبّر صوت يدويّا زُوّد بتسجيل كان يطلق صوتا إيقاعيّأ متردّدا، فيما كلام الشاعر يخرج مشوّشا وخافتا وغير مفهوم،  وذلك عن قصد أكيد. أما إيحاء الرتابة المقصود بالإيقاع المتردّد والصوت غير المفهوم فكان ينقل تعليمات لممارسي الرياضة المنزليّة عى الأرجح.
بين ما يثير الإنتباه هو ذلك الإشتراك بين الأنماط الشعرية المختلفة زمنا، بحيث بدا الشعر المستمرّة عوالمه من الثمانينات متآخيا مع الشعر الأدائي الذي يحتاج إلى أن يمرح ليكتمل معناه. ثم ذلك الإشتراك بين العربية والإنكليزية على منبر واحد ولجمهور واحد. ثمّ الشعر الحاضر مع السينما ومع فنون أخرى مشهديّة. لسنا في زمن انتهاء الشعر كما لا يفتأ يقول أو يكتب معلّقون ثقافيّون. بات في بيروت نواد ومسارح كثيرة تلتفّ حولها وتحييها جماعات من أهل الشعر والفنّ ما زال كلّ من أعضائها، حتى الآن، مؤجّلا مشروعه الفردي إلى زمن قريب مقبل.   
 
 
شارك في التعليق